العلم والأدب والتاريخ

د.أحمد بن سعد آل غرم الغامدي. أستاذ الحديث وعلومه في جامعة أم القرى سابقاً . ناشط اجتماعيا وله قصائد بالفصحى. مالك قصر مشرف التاريخي ببالجرشي.

بسم الله الرحمن الرحيم

مقامة السيرة والمسير

للدكتور أحمد بن سعد بن غرم الغامدي

الحمد لله الذي رفع بالعلم أقوامًا، وشرف بالعمل أعلامًا، والصلاة والسلام على من بعثه ربه رحمة للأنام، وهدى به من الضلالة إلى الإسلام، نبينا محمد وعلى آله وصحبه البررة الكرام. أما بعد،

فيا سائلي عن خَبَرٍ قد حُقَّ بالشَّيَمِ،

ومناقب نسجت من جوهر الكَلِمِ

هذي سطور قد أتتك مُسَطَّرَةً،

بحديث نَشْرٍ في البطاح مُعَطَّرَةٍ.

مَطْلَعُ النُّورِ وَمَهْدُ الصَّبا

في أواخر رمضان عام إحدى وثمانين وثلاثمائة بعد الألف، وفي قَرْيَةِ “السَّلْمِيّة” من ديار “بالجرشي” الغامدية، حيث تتعانق السَّماحة بالشموخ، ويُقبِّلُ النَّدَى جَبينَ الأصيل، أطل “أبو سعد” على الدُّنيا، في دار السوق من بيت تجارة ومُرُوءَة، وعِزّ وفتوة.نشأ الفتى في كَنَف أسرة مُمتدة الفيء، وارفة الظلال، تَحْنُو عليه جُدُودٌ وعُمُومة، وتُظِلُّه قامات الآباء والأخوال. بيتهم مَدْرَسَةُ الكَرَمِ العتيق، تُقْرأُ فيه سُورَةُ الضيف وابن السبيل، وتُمْهَرُ فيه عقود الإصلاح بين الناس، وتُشَهَّرُ سيوف النُّصْرَةِ لنَصْرِ المظلوم. قوافل تجارتهم تأتي من مكَّةَ وجُدَّةَ والمدينة، تحمل الأقوات والعِطْرَ والسَّمْنَ والعَسَل، وفي زمن كانَتْ فيه الشَّاحِناتُ عَجَبًا، كَانَ لَهُم شَاحِنَاتٌ تَجُوبُ الدُّروب إلى سوق المخواه وتهامة. وفي هذا الربيع النَّدي، تعهد الوالد ابنه بالدروس الخاصة، يَصُوغُ عقلَهُ بالعِلم، كما كان يصوغ لسانه بالقرآن الكريم.

انْقِطاعُ العُمْرِ لِاتصال الجوهر

سَارَ الفتى في مَسالِكِ التعليم: “مدرسة الصديق”، ثم “متوسطة حطين”، ثمّ “المعهد العلمي”، وتَخَلَّلَ المَسيرَتَيْن انقطاع مديد دام سبع سنين. لكن، لا تَحْسَبَنَّ الانقطاع عن الدراسة النظاميَّةِ كَانَ انقطاعًا عن الدراسة بل كانَ انْقِطَاعًا إلى العِلمِ، وانْصِبابًا في بحر المعرفة. ففي تلك السنوات العجاف على المقاعد الدراسية رَعَى الفَتى قَلْبَهُ وعَقْلَهُ فِي رِياضِ العُلُومِ الشرعية والعربيَّة، نَاهِلًا من عُلَماءِ البَلَدِ وصَحْبِهِم: الشَّيخُ الفَرضِيُّ المُؤَرِّخُ مُحَمَّدُ بن سعد الفقيه، والشيخ الفقيه إبراهيم بن مسلم الحَزْنَوي، والشيخ الداعية والعالم والمربي محمد بن علي جماح، والشيخ المحدث محمد القاسم القاضي، والشيخ النحوي عليوة الأزهري. كانَ نَهِمًا بالكُتُب، يَلْتَهُمُ فِي يَومِه مِئَةَ صفحة أو تزيد، لا يَشْبَعُ من نَظَرٍ في مَسْطُور، ولا يَمَلُّ صُحْبَةَ مَنْثُور. وَجَدَ ضَالَّتَهُ في عُلُومِ ابن القَيِّم، فَتَعَلَّقَ بها، وارْتَوى من مَعِين السَّلَفِ على أيدي الأئِمَّةِ الكبار: ابن باز في الطَّائِفِ ومكة، وابن عُثَيْمِين والبسام.

الرَّحْلَةُ الجَامِعِيَّةُ: عَصْرُ الذَّهَبِ المَصْقُول

ثُمَّ كَانَ المَوْعِدُ مع الجامعة، فانْتَظَمَ في كُلِّيَّةِ أصول الدين بأبها، فرع جامعة الإمام. هُناكَ، ابْتَدَأَ العَصْرُ الذَّهَبِيُّ الحَقيقي، حَيْثُ تَخَصَّصَ في عُلُومِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وجالس أئِمَّةَ الإسناد. تَتَلمَذَ في القرآن على المُقْرِئ المُسْنِدِ الشَّيْخِ عُبَيْدِ الله الأفغاني أَرْبَعَ سنوات، وغرف من بَحْرِ العَقِيدَةِ من الدكتور مَحْمُود الطحان، آية الحفظ، وتَعَلَّمَ الأُصُولَ على الدكتور يَحْيَى السَّعْدي الغامدي. تخرج عام 1410هـ، فانْفَتَحت له أبواب الخير: زارَهُ الشَّيخ عبد الله المطلق في بيته شافِعًا له في المعهد العالي للقضاء، وجاءتْهُ فُرْصَةُ الإعادة في جامعة الملكِ عبد العزيز بالمدينة، فاختارَ كُلَّيَّةَ المُعَلِّمِينَ بالباحة.

سُلَّمُ العِلْمِ العالي: الماجستير والدكتوراه

شَاءَ اللهُ لَهُ صُعُودًا في مدارج العِلْم، فَابْتُعِثَ إلى جامِعَةِ أَمِّ القُرى، مَهْبِطِ الوَحْيِ وقِبْلَةِ العُلَماء. في قِسْمِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّة، خاض غمار أدَقِّ العُلُومِ وأَصْعَبِها عِلْمَ العِلَل. جاءَتْ رِسالته في الماجستير: “العِلَلُ الواردة في أحاديث أبي إسحاق السَّبِيعي”، تُحْفَةً عِلْمِيَّةً نَالَتْ قَدْرَ الامتياز، تحت إشراف المُحَدِّثِ الدُّكْتُور وصي الله محمد عبّاس، وبِمُجالَسَةِ مَشايخ كِبَارٍ كمُحمَّد العثيم، وأَحْمَد نُور سَيْف. ثُمَّ عادَ مُحاضِرًا، لِيُبْعَثَ من جَدِيدٍ لِنَيْل الدكتوراه عام 1418هـ، فرسالته “الإحْسانُ في ضَوْءِ الكِتابِ والسُّنَّة: دراسة مَوْضُوعيَّة”، كانَتْ رِحْلَةً مَاتِعَةً أَشْرَفَ عليها عالِمٌ مُحَقِّقُ هو الشيخ الدكتور مُوَفِّقُ بنُ عَبْدِ القَادِر، وآخَرُ مُدَقِّق هو الشيخ الدكتور عبد الستار فتح الله، وخَتَمَها نَاقِدًا عَالِمًا هو الشيخ الدكتور سليمان الصادق، فجاءَتْ كَمِشْكَاةٍ نَالَتْ الامتياز مع التَّوْصِيَةِ بالطبع.

مَسيرَةُ التَّدْريس والعطاء

تَقَلَّبَ فِي الدَّرَجاتِ الأكاديمية من مُعيدٍ إلى مُحاضِرِ فَأَسْتاذِ مُساعِد، مُعَلِّمًا أَجْيَالًا في كُلِّيَّاتِ الباحَةِ والقُنْفَذَة، مُتَعَاوِنًا مع كُلِّيَّةِ البنات، يَبُثُّ في العُقُولِ عُلُومَ الحَدِيثِ والتفسير والعَقيدَةِ والفِقْهِ. لَمْ يَكُنْ عَطَاؤُهُ مَقْصُورًا على قاعَةِ الدَّرْسَ، فَتَرَأَسَ القِسْم، وأَسَّسَ لَجْنَةَ التَّنْمِيَةِ الاجتماعية في بَلْجَرَشي، وتَعاوَنَ معَ الجَمْعِيَّاتِ الخَيْرِيَّة ودَرَّبَ رِجَالَ الحِسْبَةِ ولجانَ التَّنْمِيَة، وأَلْقَى المُحاضرات في الشَّرْطَةِ والدفاع المَدَني والسُّجُون، وشارك في دَوْراتِ ضُبّاط مَجْلِسِ التَّعاون الخليجي، فنال شهادات التقدير والدروع.

السَّفَرُ بَيْنَ المِحْرابِ والسُّوق

لَمْ تَشْغَلْهُ مَحابِرُ العِلْمِ عن ميادين الحياة، بَلْ جَمَعَ بَيْنَهُما بِقُوَّةِ السَّاعِدِ وذَكاءِ القَلْب. نَشَأَ في بَيْتِ تجارة، فسار مع والده في تَعْبِئَةِ التمور وبَيْعِها، ثُمَّ فِي سَبْعِ سَنواتِ الانقطاع كَانَ مَنْدُوبَ مَشْتريات، وسائق شاحنة، وتاجِرًا في السوق، لِيُعِينَ والِدَه، برا به وسَعْيًا على أرزاق الأُسْرَةِ الكَبيرة. ولمّا تَفَرَّغَ للعِلْمِ والدَّعْوَةِ عام 1402هـ كان إمامًا وخطيبًا، وداعيةً في البوادي والقُرى، في ثَرْبانَ وغَيْرِها. ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُ أَنْ جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ والتِّجَارَةِ مَرَّةً أُخْرى، فَأَنْشَأ مَحَلَّاتِ العُطُور، ومَصانِعَ البَلُوكِ الإِسْمَنْتي ومراكز الخرسانة الجاهزة، وكسارات في جُدَّةَ والقُنْفَذَة، واسْتَثْمَرَ فِي المَعِدَاتِ الثقيلة والعقارات والشقق المفروشة، بل وزاول المُحاماة سَنَتَيْن.

إجازات وإنتاج: حدائِقُ الفِكْرِ المُثْمِرَة

للدكتور إجازات عِلْمِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُتَّصِلَةُ الأسانيد في القرآن والتفسير والحديث والفقه. أما إنتاجه العِلْمي فَحَدائِقُ دَانِيَةُ القُطُوف: كتاب “الإحسان” في مُجَلَّدَيْن، و”العِلَلُ الواردة في أحاديث أبي إسحاق”، وبُحُوثٌ مُحَكَمَةٌ فِي الاعْتِصَامِ والتَّكْبِيرِ والوَسَطِيَّة، ورسائِلُ في الصَّلاةِ خَلْفَ الفاسق، والأمر بالمَعْرُوف، وتَعْظِيمِ السُّنَّة، ومقالاتٌ مُتَعَدِّدَة، وقَصَائِدُ شِعْرِيَّةٌ في الثناء على اللهِ والمَدْحِ النَّبَوِيِّ الشَّريف في مِئَةِ بَيْتٍ لكُلِّ، بلَمَساتِ الأديب النَّاثِرِ القاص.

الرحال والآفاق

ما قَرَّ قَرارُهُ في بُقْعَةٍ حَتَّى طَافَ أَرْجَاءَ السُّعودِيَّةِ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا وشَمَالًا وَجَنُوبًا، وامْتَطَى البَرَّ إلى مِصْرَ فَالشَّامِ فَلُبْنَانَ فتركيا، وجابَ اليَمَنَ والبَحْرَيْنِ والسُّودان والباكستان وماليزيا وسنغافورا، في رحلات للتجارة والسّياحَةِ وَبَحْثًا عن أُسَرِ يُصاهِرُها.

ختام المسك

وبعْدَ مَسيرَةٍ عُمْرِيَّةٍ عامرة بالجد والبذل، تَقاعَدَ عن جامِعَةِ أمّ القُرى، لِيَعُودَ إِلى مَهْدِ الصبا ناظرًا على أوقاف جَدِّهِ، وَقَدْ رَمَّمَ قَصْرَ “مُشْرِف” التاريخي التراثي، وعَمِلَ عضوًا مُؤَسِّسًا لجَمْعِيَّةِ سُوق السَّبْتِ التَّعاوُنِيَّة. له ثمانية عَشَرَ وَلَدًا، منهم حَفَظَةُ قُرآن، وأصحاب شهادات عليا ومدراء، وطلبة في مراحل متعددة.

تِلكُمْ – يا صاحِ – سيرَةٌ قد خُطَّتْ … بِنُورِ عِلْمٍ في صَحَائِفَ أُثْبِتَتْ

تَبِعَ الحَبيبَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم في نهجه…

وناضل في جَمْعِ الفَضائلِ عمره.

وآخِرُ دَعْوانا أن الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمين، والصَّلاة والسَّلامُ على الرَّسُول الأمين.

لماذا تنتهي العلاقة الجميلة بالعداوة والتشويه رغم الإحسان؟

تأملات في كفران العشير …
وتفكيك للحالة …

د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي

لماذا تنتهي العلاقات الجميلة بالعداوة رغم التضحيات والإحسان، وخاصة في علاقات لم تكن مؤذية أصلًا؟

هنا المفارقة المحزنة التي تدمي القلب: لم يكن الفراق رد فعل على أذى، بل حدث في ظل إحسان مستمر. زوج لم يسيء ، ولم يشتم، ولم يمنع حقًا، بل أعطى من ماله وجهده وعمره. ومع ذلك، وجد نفسه مهجورًا، بل ومشوَّه السمعة بعد كل هذا العطاء. وللإجابة نحتاج إلى فهم عدة أبعاد متداخلة.

البعد الأول هو الفجوة القاتلة في تعريف المعروف. القرآن الكريم يصف العلاقة الزوجية بأنها {مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 21)، وهذا الوصف القرآني البديع لا يجعل الزواج مجرد عقد منفعة يبطل بنهاية الغرض، بل يجعله رباطًا مقدسًا له حرمته وثقله. ولكن هذا الميثاق الغليظ لا يُحفظ بالمادة وحدها، بل بما سماه القرآن {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19). الرجل في حالتنا هذه أحسن بكل ما آتاه الله: المال، والأمان، والسكن، والاستقرار، وهو يرى نفسه قد وفّى بالميثاق بل وزاد عليه. لكن الميثاق الغليظ لا يُحفظ بعدم الإيذاء فقط، فهناك فرق هائل بين “لم يؤذها” و”أحسن عشرتها”، فالأول سلامة سلبية والثاني فعل إيجابي مستمر. المرأة بطبيعتها التي فطرها الله عليها كائن يبحث عن المعنى في العلاقة أكثر مما يبحث عن المادة، فهي تحتاج إلى أن تشعر أنها مرغوبة ومفهومة ومحل اهتمام وشريكة روح لا شريكة بيت فقط. فإذا كان الرجل يظن أنه لم يؤذها، فهو لم يفعل شيئًا سيئًا، لكنه قد لا يكون فعل شيئًا هو في عرفها من صميم المعاشرة بالمعروف. هي لم تتركه لأنه أساء إليها، بل لأنها شعرت أن العلاقة أصبحت جوفاء، وأن إحسانه المادي لا يملأ روحها المتعطشة للمعنى. هذا الفراغ العاطفي يولّد لديها شعورًا بأن تضحية الرجل المادية ليست حبًا بل واجب أو استثمار في ممتلكاته، فتقل قيمته في عينيها.

البعد الثاني هو التضحية التي تحولت إلى منّ وأذى. من أعظم آفات العلاقات أن تتحول التضحية من عطاء خالص إلى سيف منّة يُشهر عند كل خلاف. وهذا هو المنّ المذموم شرعًا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ} (البقرة: 264). فكما تبطل الصدقة بالمنّ، تبطل التضحية في العلاقة حين تتحول إلى دفتر حسابات: فعلتُ لك كذا وضحيتُ بكذا وتركتُ كذا من أجلك. هذا يحول العلاقة إلى سوق للديون العاطفية، فيشعر الطرف الآخر بالإفلاس الدائم والعجز عن الوفاء فيهرب. والنبي ﷺ يحذر من هذا المسلك فيقول كما في صحيح مسلم: “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: … المنّان الذي لا يعطي شيئًا إلا منّة”. العلاقة الإنسانية السوية تقوم على التكافؤ الكرامي، فإذا شعر أحد الطرفين أنه في مقام الدائن أبدًا والآخر في مقام المدين أبدًا، اختل ميزان الكرامة، والكرامة إذا انهارت في نفس الإنسان طلب الفرار ولو إلى العدم.

البعد الثالث هو التضحية بغير ما يُحتاج إليه وسوء فهم المقاصد. يضحي الإنسان بأشياء يظنها عظيمة، فإذا بالطرف الآخر لا يراها كذلك. وهذا من فقه المقاصد: فليس كل ما يُبذل يُحمد، بل يُحمد ما وافق الحاجة والمصلحة الحقيقية. قال النبي ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات”، فالتضحية بحسن نية قد لا تكفي إن لم توافق مقصد العلاقة وفهم الطرف الآخر. العلاقة ليست محل عبادة تضحوية بقدر ما هي محل عمارة مشتركة، والعمارة تحتاج إلى فهم دقيق للمخطط لا إلى تكديس مواد بناء في غير موضعها.

البعد الرابع هو ذوبان الذات وفقدان الهوية. إذا ضحى أحد الطرفين بكل شيء حتى محا ذاته، يفقد السبب الذي جعل الطرف الآخر يتعلق به أصلًا. الحب الأول وقع على إنسان له كيانه واهتماماته وحيويته، فإذا أصبح هذا الإنسان مجرد وظيفة، ماتت جاذبيته. وهذا من سنن الله في النفس، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرعد: 11). الحب الصحي تلاقٍ بين كيانين مستقلين، أما الذوبان فهو فناء أحد الكيانين، وما بعد الفناء موت العلاقة لا حياتها. مصداق هذا قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} (الروم: 21)، فالزوجية هنا قائمة على “من أنفسكم” أي من جنسكم، لا أن يبتلع أحدكم الآخر.

من المبادر بالفراق في هذا النوع من العلاقات؟ ولماذا؟

الأصل في الفراق أن مبادره هو الطرف الأقل استثمارًا عاطفيًا في اللحظة الراهنة، أو الأكثر قدرة على تصور حياة بديلة. لكن في سياق حديثنا عن العلاقة التي لم تكن مؤذية، كثيرًا ما تكون المرأة هي المبادر. ولكي نفهم لماذا، نحتاج إلى التوقف مليًا أمام حديث عظيم هو مفتاح هذا الباب كله.عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: “أُريتُ النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط” (رواه البخاري ومسلم). هذا الحديث يصف بدقة مذهلة ما حدث في حالتنا: “لو أحسنت إليها الدهر” هو هذا الرجل الذي نتحدث عنه، ليس مؤذيًا ولا مقصرًا في الحقوق المادية بل محسن طيلة سنوات طويلة. “ثم رأت منك شيئًا” ليس شرطًا أن يكون هذا الشيء أذى أو جريمة، قد يكون مجرد تقصير بسيط أو لحظة غضب أو حتى شعورها الداخلي بأنها لم تعد تحبه كما كانت. “قالت: ما رأيت منك خيرًا قط” هنا الطامة الكبرى، هنا يُمحى تاريخ الإحسان كله، لا تقول فيه خير ولكن، بل تجحد الخير كله جملة واحدة.وليس معنى الحديث أن كل امرأة جاحدة، ولا أن الرجال بريئون من الجحود، فالرجل أيضًا قد يكفر عشيرته. ولكن الحديث يخبر عن ظاهرة أكثر ظهورًا في النساء في هذا المقام العاطفي تحديدًا. لماذا؟ لأن الرجل بطبيعته قد يرتبط بالمرأة لأسباب أولها مادية وجسدية، فإذا استقرت هذه استقر هو. أما المرأة فارتباطها الأول عاطفي، والعواطف متقلبة كثيرة المطالب سريعة الملل إن لم تُضبط بإيمان وتقوى. فإذا خلا القلب من التقوى، وتوقف الرجل عن الري العاطفي مع استمرار إحسانه المادي، رأت هي أن العلاقة انتهت بينما هو يراها مستمرة ومستقرة. ثم إن المرأة اليوم حين تستغني ماديًا بعملها أو مالها، يضعف لديها الشعور بالاحتياج للرجل، فينطلق الجحود إن كان كامنًا وتطلب الفراق لأنها لم تعد مضطرة للصبر على علاقة لا تشبع روحها. إنها ظاهرة: لما صارت قوية لم تعد تراه مناسبًا، فالحاجة كانت لجامًا فلما انفك اللجام انطلق الجحود.

هل كانت العلاقة لأجل مصلحة تحققت فانتهت، أم أنها لم تتحقق فكان الفراق؟

من الممكن جدًا أن تكون العلاقة في أصلها مبنية على مصلحة غير معلنة. وهنا صورتان: الصورة الأولى أن تتحقق المصلحة فتنتهي العلاقة، وهذا أقسى أنواع العلاقات النفعية، حيث كان الطرف الآخر وسيلة لغاية جنسية أو مادية أو اجتماعية أو للهروب من الوحدة، وبمجرد الحصول على الغاية أو ظهور وسيلة أفضل يصبح الشخص الأصلي عبئًا. هنا التضحيات التي قُدمت كانت تُقرأ من الطرف المستفيد على أنها استثمار له عوائد وليست حبًا، انتهى الاستثمار فأُغلقت المحفظة. والصورة الثانية ألا تتحقق المصلحة فتنتهي العلاقة، وهنا كانت العلاقة مبنية على عقد توقعات غير واقعي: سأتزوجه لأنه سيصبح غنيًا، سأتزوجها لأنها ستجعلني سعيدًا للأبد. حين تفشل هذه التعاقدات الضمنية يشعر الطرفان بالخديعة، والغضب والعداوة ينبعان من شعور “لقد احتال عليّ”، وكل طرف يلوم الآخر على فشل الصفقة متناسيًا أن الحب ليس صفقة.

هل تشبع أحد الطرفين من الآخر مادة وأمنًا فلما استغنى بالمادة وظن الأمن حاصل من غيره فارق؟

نعم، هذا هو الاحتمال المتوقع للجحود والنكران، وهو حقيقي ومؤلم. الطرف الذي كان ضعيفًا ومحتاجًا للأمان أو المال تعلق بالطرف الآخر لأنه رآه المنقذ. بعد سنوات، وبسبب الدعم الذي حصل عليه، استعاد قوته وبنى استقلاليته. وهنا تحدث المأساة: نظرته لنفسه تغيرت فصار يرى نفسه قويًا وناجحًا، ونظرته لشريكه تغيرت فلم يعد ذلك البطل بل صار عاديًا، بل صار مرآة لضعف الماضي الذي يكرهه. يبدأ في الاستخفاف بتضحيات شريكه لأنه يحتاج نفسيًا إلى تصغيره لينجو من سطوة الجميل. يظن أن الأمان المادي هو كل شيء، ويكتشف متأخرًا أن الأمان العاطفي الذي رماه لا يُعوّض بالمال. يظن أن الأمن حاصل من غيره لأنه في قمة نشوته وقوته، لكنه سيصطدم بهشاشة العلاقات المبنية على المنفعة حين يتعثر.

لماذا تشويه صورة الطرف الآخر رغم كل الإحسان؟ هل هو خروج من عتاب النفس ولومها؟

نعم، تمامًا. هذا هو الجواب الجوهري الذي حير العقول: لماذا لا تكتفي بالفراق بل تضيف إليه تشويه صورة الطرف الآخر رغم كل إحسانه؟ لماذا تنقلب من محبة إلى عداوة وتجعل من شريك العمر عدوًا تطعن في عرضه وسمعته؟ الجواب باختصار: لأنها لا تستطيع مواجهة نفسها.في عقل تارك العلاقة يوجد تصادم مريع بين معرفتين: معرفة “أنا شخص صالح طيب ولا أؤذي أحدًا” وهي صورتها الذاتية التي تعتز بها، ومعرفة “أنا أترك وأؤذي شخصًا ضحى من أجلي وأحسن إليّ ولم يؤذني” وهو سلوكها الحالي. هذا التناقض يسبب ألمًا نفسيًا هائلًا، والعقل لا يحتمل هذا الصراع. لِحَلِّه لا يمكن تغيير السلوك لأن الرغبة في الفراق أقوى وأغلب، إذًا الحل الوحيد هو تغيير المعرفة الثانية أو تشويهها. فبدلًا من “أنا أترك شخصًا مُحسنًا”، تصبح الحكاية المزيفة: “أنا أترك شخصًا سيئًا كان يخفي حقيقته طوال الوقت.”

وهنا تتدخل آلية القلب إلى الضد، وهي أقسى آلية نفسية وأكثرها شيوعًا في هذه الحالات. نظرًا لأنه لا يمكن إنكار الإحسان بالكامل، يتم إعادة تفسيره بطريقة مسمومة في عملية تزوير للتاريخ: تضحيته المالية تصبح “كان يتحكم بي بالمال ويشعرني بالعجز والتبعية”، صبره الطويل وحلمه يصبح “كان ضعيفًا بلا شخصية”، اهتمامه وخوفه يصبح “كان يخنقني ويسلبني حريتي”، أخلاقه العالية وسمعته الطيبة تصبح “كان ينافق ويرائي الناس”. بهذه الطريقة الملتوية لا يصبح الطرف الآخر ضحية بل هو الجلاد المتنكر، ويتحول شعورها بالذنب إلى شعور بالغضب المبرر، فلم تعد هي الناكثة للميثاق بل صارت هي الضحية التي كانت مخدوعة طوال الوقت، وفراقها الآن ليس جحودًا بل تحررًا وانتصارًا للذات.وتأتي بعد ذلك آلية انتحال صفة الضحية: لكي ينام الإنسان مرتاح الضمير يحتاج إلى قصة يكون فيها هو البطل أو الضحية لا الشرير أبدًا، وتشويه صورة المُحسِن هو الطريقة الأسرع لكتابة هذه القصة المزيفة. فتقول: لقد اضطررت للرحيل لأنه كان غير متفهم، لقد ضحيت أنا أيضًا كثيرًا أكثر مما ضحى هو، لم أكن سعيدة أبدًا بل كنت أمثل دور السعيدة. هذه القصة المزيفة تُروى للآخرين لتبرير الموقف، والأخطر أنها تُروى للنفس يوميًا حتى تُصدق تمامًا.ثم تأتي الآلية الثالثة وهي الإسقاط: اتهام الآخر بجريمتي. الشخص الذي يملؤه الجحود والنكران يتهم الطرف الآخر بأنه ناكر للجميل، والشخص الذي يستغل ويأخذ ثم يرمي يتهم الطرف الآخر بأنه مصلحي وأناني. إنها ترمي عيوبها وأخطاءها على الطرف المُحسِن، فيُعاقَب الآخر على ذنوب لم يرتكبها بل هي ذنوب المُسيء نفسه التي لا يريد مواجهتها. وهذا هو بالضبط معنى المثل العربي القديم: “السارق يقول قبّح الله السارق”، يريد أن يُخرج العار من بيته فيُدخله قلبه.وهذا كله يفسره قوله تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} (القيامة: 14-15). هي تعرف حقيقة نفسها، تعرف أن تركها له ليس لسبب وجيه، تعرف أنه كان محسنًا لم يقصر في حق مادي، تعرف أن المشكلة في داخلها هي لا فيه. لكنها مع ذلك تلقي معاذيرها، أي تختلق الأعذار وتلفق التبريرات لتغطي على صوت الحق في داخلها. تشويه صورته هو المعذرة التي تقدمها لنفسها أولًا ثم للناس ثانيًا. هي لا تستطيع مواجهة المرآة وقول: “أنا تركت رجلًا طيبًا محسنًا لأني لم أعد أريده”، فهذا سيجعلها ترى نفسها جاحدة ناكرة للجميل، وهذه صورة لا تطيق أن تراها. أما أن تقول: “لقد اكتشفت أنه كان مقصرًا وأنه لم يفهمني وأنه كان أنانيًا”، فهذا يريح ضميرها المعذَّب ويسمح لها بالنوم ليلًا.

هل هذا خاص بالنساء وحدهن؟

العدل يقتضي أن نقول: هذه الآفة ليست خاصة بالنساء. الرجال أيضًا قد يجحدون العشير ويكفرون الإحسان. كم من امرأة ضحت بشبابها وصحتها وسهرت على راحة زوجها، ثم حين كبر واشتد عوده تركها لأخرى ونسي كل تضحياتها ولم بعدل بينهما ! ولكن الحديث النبوي خص النساء بالذكر في سياق كفران العشير لأمر يتعلق بطبيعة المرأة العاطفية. المرأة كائن عاطفي بالدرجة الأولى، مركزها العاطفي أقوى وأعمق وأسرع تأثرًا من الرجل. وهذه الطبيعة، مع أنها نعمة عظيمة تجعلها مصدر الحنان والعطاء، قد تصبح نقمة عليها إن لم تُهذَّب بإيمان عميق وخلق قويم. فالمرأة التي تعيش على الإشباع العاطفي إن لم تجده قد تنسى كل شيء آخر، وإن رأت تقصيرًا بسيطًا بعد إحسان طويل قد يطغى على عقلها وتمحو التاريخ كله. ليس لأنها شريرة بطبعها، بل لأن عاطفتها الجياشة إن لم تجد ما يشبعها قد تنقلب إلى أداة هدم بعد أن كانت أداة بناء. والرجل من جهته مأمور أن يراعي هذه الطبيعة، وأن يعلم أن حسن العشرة ليس توفير المال فقط، بل هو إشباع للقلب قبل البيت.وما العلاج؟ كيف يسلم الزوجان من هذه الآفة؟

العلاج يبدأ من عدة محاور:

أولًا: للزوجين معًا، تذكروا الميثاق الغليظ. العلاقة الزوجية ليست نزهة تنتهي حين يمل أحد الطرفين، إنها عهد أمام الله وصفه الله بأنه {مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 21). والوفاء بالعهد من صفات المؤمنين الصادقين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون: 8). وما دامت العلاقة غير مؤذية فالواجب هو التمسك بها وإصلاح ما فتر منها، لا الانسلال منها بتبريرات واهية وتشويه للمُحسِن. وتذكرا معًا قوله تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (البقرة: 237)، فهذا خطاب للطرفين معًا، فلا ينسَ أحدكما فضل الآخر وإحسانه وتاريخ العشرة الجميلة لأجل لحظة ضيق أو شعور عابر.

ثانيًا: للرجل، افهم احتياجها العاطفي. على الرجل أن يفهم أن {حُسْنَ الْعِشْرَةِ} واجب شرعي وليس تفضلًا، ويدخل في حسن العشرة: الكلمة الطيبة والإصغاء والتقدير والاهتمام بالمشاعر والمشاركة الوجدانية. وألا يظن أن عدم الإيذاء هو نهاية الفضل، بل هو بدايته فقط. فالميثاق الغليظ يتطلب صيانة مستمرة للقلب لا للبيت فقط. والحديث النبوي واضح: “خيركم خيركم لأهله”، والخيرية هنا ليست في المال بل في الخلق والمعاملة.

ثالثًا: للمرأة، احذري كفران العشير. على المرأة أن تعلم أن جحود المعروف من كبائر الذنوب الأخلاقية، والحديث النبوي واضح وصريح في أن كفران العشير من أسباب دخول النار. ليس كل شعور بالفراغ العاطفي مبررًا لنقض الميثاق الغليظ، فالواجب هو الصبر والإصلاح والتواصل والنصح، لا القفز إلى التشويه والتبرير والفرار. ثم إن من لا تشكر زوجها على إحسانه كيف ستشكر ربها على نعمائه؟ والنبي ﷺ يقول: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”، فشكر الزوج على إحسانه من شكر الله.

رابعًا: للطرفين، أخلصا العطاء لله. قاعدة “إنما الأعمال بالنيات” قاعدة عظيمة، فتضحيتك يجب أن تكون لله أولًا ثم للعلاقة ثانيًا، لا لتسجيل نقاط ولا لانتظار مقابل ولا لتكبيل الطرف الآخر بديون العرفان. تذكر دائمًا أن الإحسان الخالص لا ينتظر الشكر، لكن جحود المُحسَن إليه لا يبرره إلا مرض في قلبه هو. أنت قدمت ما عليك، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

خامسًا: حاسبوا أنفسكم قبل تبرئتها. تذكرا دائمًا قوله تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} (القيامة: 14-15). ليس كل معذرة تبرئة، وليس كل اتهام للآخر براءة للنفس. حاسب نفسك قبل أن تحاسب غيرك، واسأل نفسك بصدق: هل المشكلة في الطرف الآخر حقًا أم فيّ أنا؟ هل أختلق الأعذار لأهرب من مواجهة الحقيقة؟

سادساً : النظر بعين الشرع والعقل والحكمة في مصير الأسرة وما سيكون بعد هذه الحالة المؤلمة من شتات للأولاد ويتم في الحياة وانكسار في النفس ووقوع في المخالفات ومستقبل مضطرب لهم .العلاقة الجميلة التي تنتهي بالعداوة والتشويه رغم الإحسان هي واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، وهي تجسيد حي للآفة التي حذر منها النبي ﷺ: كفران العشير. والمعادلة باختصار: هي شعرت بفراغ عاطفي رغم الإحسان المادي، وهو ظن أن عدم الإيذاء هو كل شيء فغفل عن إحياء المعنى في قلبها، وهي بدل أن تصبر وتتواصل وتصلح استسلمت لشعورها، وعقلها لم يحتمل تناقض “أنا جاحدة لرجل محسن” فاختلق لها قصة جديدة هي فيها ضحية وهو فيها مقصر. والنتيجة: ميثاق غليظ نُقض، وإحسان جُحد، وتاريخ شُوِّه، وضمير خُدِّر بالأعذار الكاذبة.والحل الوحيد يبدأ من تقوى الله في السر والعلن، وتذكُّر قوله تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، وقول النبي ﷺ: “خيركم خيركم لأهله”. فالخيرية ليست في عدم الإيذاء، بل في إحسان العشرة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. والخيرية ليست في أخذ الحقوق فقط، بل في شكر المعروف والاعتراف بالفضل. ومن كان لله في عطائه وللميثاق الغليظ في رعايته، فلن يخيب أجره عند الله، ولن يحرق قلبه جحود البشر، فإنما يجزى الصابرون أجرهم بغير حساب.

مساعد ناصر أحمد آل مانع الغامدي

محب للثقافة والأدب ومجتهد في تدوين تاريخ منطقة الباحة وتراثها ورموزها السابقون واللاحقين في هذا الموقع العامر بكم.

مقالات ذات صلة

0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
زر الذهاب إلى الأعلى

جميع الحقوق محفوظة

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x