الأدب والتاريخ

م.محمد كمال اسماعيل.أعماله دفعت الملك فهد يرحمه الله لاختياره لتصميم توسعة الحرمين

صورة ذات صلة

علي القحطاني(صدى):

في الذكرى العاشرة لرحيل المهندس المصري، الذي اختاره الملك فهد، ليتولى أعمال توسعة الحرمين الشريفين، وذلك بعد اطلاعه على مجلدات موسوعة مساجد مصر التي صنفها، وهو الدكتور محمد كمال إسماعيل، الذي لُقب بـ ” أستاذ الأجيال “؛ لإنجازاته المعمارية التي لا تزال باقية في المملكة ومصر.

ولد دكتور محمد في مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، يوم 15 سبتمبر 1908، عاش حياته مغرمًا بفنون العمارة الإسلامية، وحصل على 3 شهادات للدكتوراه فيها، وتخرج في جامعة فؤاد الأول ” القاهرة حاليًا “، حتى أشرف على توسعة الحرم النبوي، التي تمت بمعدل سبعة أضعاف لتزيد مساحته من 14 ألف متر مربع إلى 104 آلاف متر مربع، وتوسعة الحرم المكي لتزداد من 265 ألف متر مربع إلى 315 ألف متر مربع.

كما شملت توسعة الحرم مشروعات تكييف المكان وتغطيته بالمظلات والقباب، بالإضافة إلى جراج للسيارات يسع 5 آلاف سيارة تحت الأرض، وبلغت تكلفة هذه الأعمال 18 مليار دولار؛ وتعد أكبر توسعة للحرمين الشريفين على مدار 14 قرنًا بدأت عام 1982 واستمرت 13 عامًا.
ورفض المهندس أخذ أي مقابلٍ مقابلَ التصميم الهندسي والإشراف المعماري على توسعة الحرمين الشريفين، وعندما أُعطي شيكًا بالملايين، قال: ” آخذ مال على الحرميين الشريفين؟! أين أودي وجهي من ربنا؟ ”

كما أشرف على استيراد رخام ” التاسوس ” المستخدم في أرضية الحرم المكي، حيث أراد وضع رخام في أرضية الحرم للطائفين يمتص الحرارة، وكان هذا الرخام موجودًا في جبل صغير باليونان، فذهب لليونان وتعاقد على شرائه، كما قام برحلة شاقة بين اليونان والمملكة لاستيراد رخام مماثل لأرضية الحرم النبوي.

من صحيفة صدى

كل من شاهد الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة يعجب بهما أيما إعجاب ويبهره التصميم البديع لهما، ولكن لم يخطر على بال أحدنا أن يسأل عن المعماري أو المهندس الذي قام بتصميم الحرم المكي وقام بدراسته بهذا الأسلوب الجمالي المبدع، ومن منا سأل نفسه أيضا من صمم الحرم النبوي بمآذنه البيضاء وتصميمه الفريد؟. 

نعم لقد استطاع المعماري المبدع المجهول للكثير منا أن يحقق التمازج بين الجمال و الروح وان يظهر عز الإسلام، هذا المعماري الذي قام بهذا العمل هو مهندس عربي مسلم، إنه الدكتور محمد كمال إسماعيل الذي يلقب بأستاذ الأجيال، فهو مهندس مصري يخطو الآن نحو المائة من عمره. وكان الملك فهد بن عبد العزيز هو الذي اختار الدكتور المهندس محمد كمال إسماعيل لهذا العمل الجليل، بعد أن اطلع على مجموعة المجلدات! النادرة التي أصدرها قبل 60 عاما تحت عنوان “موسوعة مساجد مصر” وهي المجلدات التي طُبعت في أوروبا في الأربعينيات مرات عدة، ونفدت كل طبعاتها! ولم يعد لها وجود إلا في مكتبات الجامعات ومراكز الأبحاث. 
كان إسماعيل هو أصغر من حصل على الثانوية في تاريخ مصر، وأصغر من دخل مدرسة الهندسة الملكية الأولى، وأصغر من تخرج فيها، وأصغر من تم ابتعاثه إلى أوروبا للحصول على ثلاث شهادات للدكتوراه في العمارة الإسلامية، كما كان أول مهندس مصري يحل محل المهندسين الأجانب في مصر، وكان أيضا أصغر من حصل على وشاح النيلورتبة البكوية من الملك. 
هو الذي قام على تخطيط وتنفيذ توسعة الحرمين التي أمر بها خادم الحرمين الملك فهد “رحمه الله” الذي شهد عهده أكبر توسعة للحرمين في تاريخ الإسلام، وعلى امتداد 14 قرنا. 
قناة اقرأ أجرت حوارا مع المهندس محمد إسماعيل تحدث فيه عن تجربته العملية وعن اختياره لتصميم الحرمين الشريفين والكثير من التفاصيل عبر هذه المساحة. 

لماذا بدأت التوسعة في الحرم النبوي قبل المكي؟ 

كان الحرم النبوي الشريف أحوج إلى التوسعة عن الحرم المكي، بإعتبار أن مكة المكرمة كانت تغطي أعداد الزائرين، ولكن المدينة المنورة كانت تحتاج إلى التوسعة بالإضافة إلى أن الشكل العام للمسجد النبوي كان عبارة عن مظلات خارجية فكان ذلك لا يليق بمكانة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

– من الذي أكد لكم أن الحرم النبوي بحاجه الى توسعة؟ 

خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز “رحمه الله” هو الذي اكتشف هذا الشيء وأمر بالتوسعة. 

– لماذا تم اختيارك أنت تحديدا لهذا المشروع؟ 

من الصعب أن أرد على هذا السؤال… لأن الأسباب في فهمي وليس في عبري، ولكن كل الذي أستطيع أن أقوله وعلى حسب ظني أن الملك فهد “رحمه الله” قد عاين مسجد إسكندرية في مرسي أبو العباس في مصر. 
ثانيا كان هناك بيني وبين شركة بن لادن صلة وربما هم من اقترحوا على خادم الحرمين الشريفين اسمي، لأنهم سبق لهم وان اختبروني و تعرفوا على مقدراتي، وعرفوا أيضا أني قدير بهذه العملية لأنها عملية ليست بسيطة. 
وأيضا كانت معاملتهم مع المصريين كاملة، فالذي صمم التوسعة السعودية الأولى في الخمسينات كان مهندس مصري،, والذي قام بالتوسعة الثانية في عهد الملك سعود أيضا كان مصرياً. 
فقام الملك بإصدار قرار إلى الشيخ محمد أبالخيل وكان وقتها ووزيرا للمالية، بأمر توسعة المسجد المدني بحجم 30000 متر ثلاثين ألف متر علاوة على الموجود حاليا والتنفيذ يكون فوراً. 

من جاء إليك في القاهرة ليقوم بتكليفك بهذا العمل؟ 

قام الشيخ محمد أبالخيل بإرسال مدير قسم الهندسة بالرياض لكي يكلفني بهذا العمل، فقلت له أنني أتعامل مع بن لادن، وسبق ووضعت له تصميما مقترح للتوسعة كان يريد اقتراحها على الملك فهد، فلا يمكني التعامل مع غيره إلا بعد أخذ إذن منه شخصيا. 
فعاد المدير إلى السعودية، ومن ثم رجع إلى القاهرة، فقال لي أنه قابل الشيخ يحيى بن لادن، وعرض عليه هذا الموضوع فكان رد الشيخ : نحن مقاولون، من يضع التصميم لا يهمنا حاليا، ولكن يهمنا أن ننفذ حالاً. 
فذهبت إلى الرياض و جهزوا لي مكتب وتمت الاستعانة باثنين رسامين أحدها هندي والآخر صيني، وعملت المشروع المبدئي، وكان مكتبي في مبنى مخصص لخدمة المباني أمام المحطة في الرياض، وسلمت التصاميم لمدير المكتب بعد ثلاثة أسابيع، بعد ذلك جاء في بالي أن اتصل بالشيخ يحيى في جده حتى أخبره أني سلمت التصاميم وأني راجع إلى القاهرة. فكان رد الشيخ يحيى: بأن أحضر إليه في جده قبل المغادرة إلى القاهرة. 
فوافقت وذهبت إلى جده و كان في انتظاري وذهبنا سويا إلى الفندق وقال لي: “قل لي بالتفصيل ما الذي حدث في الرياض؟ فأخبرته بكل شيء. فقال لي الشيخ يحيى بن لادن: لابد من مقابلة الشيخ بكر بن لادن. 
لم أكن أرى الشيخ بكر قبل ذلك، كانت معاملتي كلها مع الشيخ يحيى، وعرضت عليه الموضوع. 
فقال لي الشيخ بكر بن لادن : هذا لا يمكن أن يكون سليما لأن 30000 متر “ثلاثين ألف متر” لن تكفي إلا ثلاث أو أربع سنوات ومن ثم سوف نحتاج إلى مساحه أكبر حتى تخدمنا في المستقبل فأحسن طريقة أن نطلب 90000 متر “تسعين ألف متر” 

– معنى ذك أن الشيخ بكر بن لادن هو الذي اقترح أن تكون المساحة أكبر؟ 

نعم ، وقد قال لنا الشيخ بكر بن لادن اتركوني أن أتشرف بمقابلة الملك فهد، فذهب بكر بن لادن إلى مقابلة خادم الحرمين الشريفين و ذهبت انا إلى القاهرة و بعدها بخمس أيام، حضر الشيخ بكر والشيخ يحيى وطلبوني في مكتبهم في المهندسين ليعلموني أن الملك فهد قد وافق على تلك الزيادة وهي الـ90 ألف متر. 

– إذا زيارة جدة كانت مهمة؟ وفي مقابلة واحدة مع الملك فهد وافق على الزيادة من ثلاثين ألف متر إلى تسعين آلف متر؟ 

نعم زيارة جدة كانت نقطة تحول، وأنا أحفظها لهم لأن الفضل بعد الله أن تكون التوسعة تسعين ألف متر تعود إلى اقتراح الشيخ بكر بن لادن. قبل ذلك أردت أن أقول لك أنه عندما كنت متواجد عند الشيخ بكر بن لادن في جدة أعطاني خريطة مصورة من الطائرة أعدوها أناس أمريكان تمثل منطقة الحرم النبوي الشريف ومنطقة المدينة المنورة بالكامل، هذه الخريطة يتواجد فيها تفاصيل دقيقة، فيها الشوارع و المباني بكامل مظاهرها بحيث يمكنك أن تطلع منها المسطح والأبعاد، أعطاني إياها وقال لي: خذ هذه الخريطة واعمل لها مذكرة وحدد لي الـ90 ألف متر التي ترى أنهم مناسبين بناءً على هذه الخريطة واخبرني ما هو الجزء الذي يحتاج إلى نزع ملكيته، هذه المذكرة ترسلها لي مجلدة بجلد “غزال” لكي أعرضها على الملك حتى آخذ الموافقة عليها. 
هذا ما حدث وعلى فكرة أريد أن أقول لك شيء، المسطح الكبير هي المنطقة التي يشغلها المسجد النبوي الحالي مع أسواره هي المدينة المنورة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم. 

– هل تقصد أن الحرم النبوي الآن هو في حجم المدينة المنورة في عصر الرسول؟ 

نعم . من الصدف وقتها أنه كان موكل لي أخبار اليوم الجديدة وكنت أعرف رئيس المطبعة و قد قام بخدمتي 
في طباعة الخريطة، لأن الشيخ بكر كان يحب المواعيد في وقتها، لأنه رجل عملي ويحب الإلتزام فأرسلتها بعد أسبوع كما طلب مني. بعد ذلك عاد الشيخ بكر مرة أخرى ليسألني عن الأتعاب. 
سلمته المسطحات التي سيقوم بنزع ملكيتها وكان منها فندقين وغيرها من البيوت، وكل الملاحظات اللازمة لإنشاء المشروع فسألني كم تريد إتعاب؟ فقلت له .. سوف أعمله مجاناً …فسألني ..هل تمزح؟ قلت له : لا … أنا لا أمزح ….. هذا شرف كبير أنت حتديني إيه؟! 
مهما أعطيتني من ملايين ما يسواش الشرف الذي سوف احصل عليه..شرف عظيم أني سوف أقوم بتوسعة الحرم النبوي الشريف.. و لكنه أصر و بالأخير وافقت حتى أرضيه، وبعد الاتفاق على الأتعاب بهذه الروح الجميلة بدأنا الشغل. 

– كم كان عمرك يوم كلفت بهذه التوسعة؟! 

كانت التوسعة في عام 1982 وكان عمري وقتها 75 عاما بدليل عندما ذهبت الى جدة وأرادوا تقديمي لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد فنظر لي وقال أنت أكبر مني بعشر سنوات! 

– هل حلمت يوما أن تقوم بعمل جليل كهذا؟ 

لا… ابداً لم يخطر في بالي أن يحدث وأن أكلف بعمل يعم كل الإسلام . 

– ما هي الأعمال الهندسية التي قمت بها؟ فيقال أنك من قام بإنشاء مجمع التحرير الشهير في القاهرة؟ 

هذه الأرض التي يوجد فيها مجمع التحرير كانت أرض فضاء، وكان في ذلك الوقت عثمان باشا محرم، و كان يطلب منه باستمرار مكاتب حكومية، فرأى أن يستغل الأرض الفضاء ببناء مجمع المكاتب بدلا من أن يبني لكل واحد منهم مكتب، فناداني وطلب مني أن اشغل له الأرض هذه و أبنيها 10 إلى 11 دور فكان هذا المشروع 

متى بدأت علاقتك بالمملكة العربية السعودية؟ 

سنة 1952 م أي قبل التوسعة بـ30 سنة، وكان الملك عبد العزيز “رحمه الله” هو الحاكم في ذلك الوقت، وكان هناك أمير جدة وهو الأمير فيصل “رحمه الله” وكان هناك أيضا وزير اقتصاد ولكني لا أذكر اسمه حالياً، جاء هذا الوزير إلى مصر مطلع الخمسينات أخذني إلى هناك وقال لي أريدك أن تبني لنا وزارة الخارجية السعودية فقمت بمعاينة المكان، وقابلت الأمير فيصل مرتين وناقشنا الموضوع و لكن الأموال لم تكن متوافرة فتم تأجيل المشروع ولا أعلم ماذا حدث بعدها. 

– متى بدأت علاقتك مع مجموعة بن لادن؟ 

مجموعة بن لادن كانت باستمرار تكلفني بمشروعات تقدمها للزبون، مثلا إذا كان لديها مشروع كبير كانت تكلفني به. 

– كيف كانت علاقة خادم الحرمين الملك فهد بالمهندس الذي قام بتوسعة الحرمين؟ 

يـاسلام … “عمري ما شفت رجلاً بعظمة هذا الإنسان، أنا لم أرى ملوكاً كثيرين فقد رأيت 3 أو 4 ملوك ولكن لم أرى شخصا مثل الملك فهد”. 
رجل فكره طيب و يكلمك بكل بساطة وبكل عقل وبكل حكمة ويناقشك، لدرجة أنه لما سلمني جائزته 
جائزة التفوق وقال لي : “كان يعجبني فيك شيء هو أنك كنت تناقشني و هذا الشيء أعجبني كثيراً” فكان هذا تواضع منه.

المصدر الفيس بوك


كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى