الأدب والتاريخ

علوم الديرة .. وسيلة الاعلام قديما. لا زالت في بعض المناطق الجنوبية..وان على خجل

قبل أن تصل التقنية والاتصالات الى الاباء والاجداد لم يكن هناك أخبار تصلهم أو إعلام يبحثون فيه عن الأحداث الجارية، سواء اللقاء في الأسواق أو الزواجات والمناسبات، وقد كان ما يسمى “العلم” أو “علوم الديرة” من أساسيات الإعلام في الماضي، وهو من الموروثات الشعبية في كل منطقة من مناطق المملكة، وهي عبارة عن نشرة إعلامية يتلوها كل ضيف إذا زار أحدهم الآخر وهي فن أدبي جميلويعتبر “العلم” من هذا الفن، وخصوصا عند كبار السن منهم، والذين مارسوا هذا الفن في حياتهم اليومية، إذ يعتبر من الأشياء الأساسية لتبادل الأخبار ونقل المعلومات وإبداء الحاجات وتوضيح الأهداف من الزيارة أو اللقاء أو طرح الموضوعات والقضايا أو نقاش المشكلات وبحث حلولها، ويكون أداء العلوم عند انتقال الفرد أو الجماعة من مكان إلى آخر أو يحل أحدهم ضيفا على الآخر يعتبر العِلم الرسالة التي يوضح من خلالها الضيف حالة وحال الأسواق والزراعة وجديد الأخبار، ويوضح السبب من زيارته إن كانت للسلام والتزاور أو لخطبة أو لتوصيل خبر أو السعي في إصلاح ذات البين وما إلى ذلك من حاجات مختلفة. ويقول صالح الغامدي ان العِلم أو العلوم أو العلامة كلها أسماء لنفس المقصود، إذ تحتوي على جميع فنون البلاغة من الاختصار والسجع والجناس والاستشهاد بالآيات والأحاديث والأمثال. وتتميز أيضا بتحديد الهدف إذ هو الرسالة الأساسية التي يوصلها صاحب العلم إلى مستمعيه، كما يتكون من بداية ومتن وخاتمة. ويوضح خالد الزهيري: عندما يصل الضيف إلى مقصده يتبادلون التحية مع مضيفيهم ثم يأخذون مواقعهم في الجلوس ويتبادلون الأحاديث الودية، وعندما تأتي القهوة ويبدأ المضيف بصبها لضيوفه يقوم الضيف أو أكبرهم سنا إذا كانوا جماعة بالبدء في العلم ومن أمثلة ذلك: “والله ما يمنا إلا خير بخير وفي خير، ونحمد راعي الخير والديار والثمار والأعمار بيد الواحد القهار، الأرض غابرة وعين الله ناظرة، الأسعار متواحية في كل ناحية إلا غيرها”، ثم يبدأ بسرد حاجته بطريقة مهذبة وبلاغة واختصار، ويوضح سبب مجيئة. ثم يختتم الضيف كلامه بخاتمته على النحو التالي: “هذا موجب وصولنا مقبلين يم الله ثم يمكم ترونا ولا ترون باس أنشدوا عما تحبون وسلامتكم”. ثم يأتي الرد من المضيف أو من يمثل المضيفين بقوله: “سالم ولا بنادم والله يقفانا بالهيلة انه على ما يشاء قدير.. مثلما عديت ما أخطيت الديار واحدة والأعلام واحدة ولا عنكم بشيء خافي الحال كالحال والبلاد كالبلاد، في وادينا والله هادينا الأسواق وما فيها فمثلما قال المثل أسواق شرى تعلم عن أسواق القرى مرّيتم وريتم الأرض غُبره وعند الله الشبرة”. ويقول يحيى الحسني: ان العلوم أو العلامة من الأمور الأساسية ومن العادات والتقاليد المتأصلة وكما قيل شارية الرجال علمه، والشارية أي الطعم، والمعنى أن الرجل الذي لا يعلم ولا يقابل كما ينبغي، لان الضيف اذا لم يبدأ بالعلم فالمضيف وبغاية الأدب يطلب من مضيفه إذا تأخر في البداية بالعلم يسأله المضيف “علومك ولو عجلنا عليك”.. إذ أن المضيف يعرف موقفه من ضيفه وما الحاجة التي جاء من أجلها وما مدى إمكانية تلبيته لطلبه. ودائما يكون المتحدث في الوفد غالبا ما يكون شيخ القبيلة أو عريف القرية او اكبرهم سنا، ومن العيب أن يتقدم صغار السن، إذ ذلك يعتبر نقصا في حق الكبار ومثلبة في حق الصغار. وكذلك الاختصار وقوة الدلالة واستخدام الأساليب البلاغية ميزة لهذه العلوم. ويقول عبدالعزيز صالح: حديثا أصبح ارتفاع الأسعار وحوادث السيارات تتصدر الأخبار في علوم الديرة والسيرة، والتي تعتبر من الفنون المميزة لدى كبار السن، والذين مازالوا يحافظون على ذلك الفن في أفراحهم وأحزانهم وتنقلاتهم، رغم انتشار وسائل الإعلام والاتصال وسهولة المواصلات. يقوم على السجع والكلمات الموزونة التي كانت تحل محل وسائل الإعلام. يقول أحمد عبدالله الزهراني إن الخطابة في الأدب العربي لها مكانتها، وهي فن من الفنون التي لا يجيدها إلا ذوي المواهب كأي موهبة أخرى.

عن تواصل غامد.الذي للأسف سيقفل قريبا.  

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى