سيول جدة… حين تفضح المياه ما أخفته المقاولات: تلاعب قانوني إلى متى؟ للكاتبة المتألقة . ليال محمد قدسي.


من المسؤول عندما يكشف المطر ما حاولت المقاولات إخفاءه؟ المالك السابق لتدليسه؟ المقاول؟ التأمين؟ أم ثقافة “امشّي الحال”؟
وعندما تتسرب المياه إلى البيوت وتنهار الواجهات… أين يذهب حق المواطن بين القانون والواقع؟
كيف يتحول الشرط التعاقدي إلى ثغرة، والرقابة إلى توقيع، والمسؤولية إلى كرة يتقاذفها الجميع؟
في كل مرة تضرب فيها سيول جدة، لا تغرق الشوارع والمباني فحسب، بل تغرق معها الوعود الرسمية المدونة في مئات الصفحات من العقود الهندسية. إن التناقض الصارخ بين الكلمات المكتوبة على الورق وواقع التنفيذ على الأرض ليس مجرد “خطأ بشري”، بل هو فن ممنهج للالتفاف على القانون، يحوّل الالتزامات التعاقدية من ضمانات للجودة إلى أدوات للتهرّب من المسؤولية. إذا كانت الدول الأوروبية، التي يهطل فيها المطر على مدار السنة، قد أقامت مبانيها على فلسفة “مقاومة الماء” كنقطة انطلاق أساسية في التصميم، فإن الإخفاق هنا يكشف عن خلل منهجي أعمق.
تأتي هذه المقالة في إطار تحليل العلاقات التعاقدية الحاكمة لمشاريع التطوير العقاري الكبرى، وبخاصة مشاريع المجمعات السكنية، والمستشفيات الخاصة، والجامعات الخاصة، حيث تتداخل مسؤوليات المالك أو المستثمر مع التزامات المقاول وفق عقود إنشائية يفترض أن تشكّل ضمانًا للجودة والسلامة،
تلاعب المواصفات والعقود: كيف تتحول الالتزامات الرسمية إلى أدوات للتهرّب من الجودة؟
الأساس في أي مشروع بناء هو المواصفات الفنية المحددة في العقد، والتي تضمن متانة المنشأة وقدرتها على الصمود. فإذا نص العقد على استخدام إسمنت بمقاومة X وعزل مائي من الفئة Y، فإن هذا يُفترض أن يكون الحد الأدنى غير القابل للتفاوض.
و هنالك بعض المقاولين يستبدلون المواد ذات الجودة العالية والرسمية في العقد بأخرى أقل كفاءة وأرخص ثمنًا، لتحقيق هامش ربح إضافي.
وإليك بعض الحالات التي توضح كيفية التلاعب في المواصفات والعقود:
• هندسة المخارج التعاقدية: يتمثل هذا التلاعب المتقدم في الدمج المتعمد لبنود متضاربة. حيث يضمن المقاول بند الجودة العالية، ولكنه يضمّن بنداً آخر يمنحه الحق في تعديل المواصفات أو الموردين في حال تأخر التوريد. هذا التضارب يوفر ذريعة جاهزة: فبدلاً من تحمل تكلفة التأخير، يتم اللجوء إلى مواد بديلة أقل جودة وأرخص ثمنًا، مدعياً أن الهدف كان تجنب تأخير التسليم الكلي للمشروع. • فن الاستغلال الغموض القانوني: بحيث العقد الذي يُفترض أن يكون “شريعة المتعاقدين”، يصبح للأسف، ساحة للتلاعب القانوني. غالبًا ما يتعمد بعض المقاولين تضمين بنود غامضة أو مفتوحة التأويل في العقود، أو استغلال صمت العقد عن تفاصيل دقيقة ليُخفض مستوى الجودة دون خرق “بند” القانون بشكل مباشر.
مثال: قد ينص العقد على استخدام “عزل مائي مناسب”، وهي عبارة مطاطة يمكن للمقاول من خلالها تبرير استخدام مواد ذات سمك أو فعالية متدنية، مدعياً أنها “مناسبة” من وجهة نظره. يتحول الغموض هنا من عيب في الصياغة إلى مخرج قانوني مُعد سلفًا للتهرب من تكلفة الجودة. • التلاعب بنسب الخلط والغطاء الخرساني: فن تقويض المتانة الهيكلية: يمتد التلاعب إلى جوهر المادة الإنشائية عبر ممارسات تنفيذية: تخفيف مقاومة الخرسانة عبر إضافة ماء زائد “رفع نسبة الماء إلى الإسمنت لتسريع الصب”، مما يُخفض المقاومة النهائية ويجعل الخرسانة مسامية وعرضة للتسرب. ويتفاقم الأمر بالإخلال بـ الغطاء الخرساني ، حيث يتم إهمال استخدام المباعدات الهندسية المعتمدة لحماية حديد التسليح. وهنا يقتضي التحليل القانوني طرح الاسئلة الآتية بوضوح: هل يُعقل أن الأطراف الأكثر علماً ودراية بقواعد المهنة المقاول، والمهندس المشرف، والمصمم الهندسي يجهلون بوجود الخلل والتلاعب في المواصفات والتنفيذ؟ أم أننا أمام تواطؤ ممنهج في استغلال بنود العقد الغامضة، نابع من معرفتهم الأكيدة بأن المحامي أو لجان التحكيم ستواجه صعوبة قصوى في إثبات الخلل التعاقدي الجذري بعد مرور سنوات على استلام المشروع؟ و هل ستكون شركة التأمين هي الجهة القادرة على الكشف عن المُقصر قانونياً، أم أنها ستسعى، بدورها، إلى التهرب من دفع التعويضات وتحميل المالك المسؤولية؟
التعويضات والمسؤوليات: بين النص القانوني والواقع المؤلم
في كل مرة تستيقظ فيها مدينة جدة على وقع السيول، تُثار مجدداً حزمة من الأسئلة القانونية المعقدة حول توزيع المسؤوليات وإعمال مبدأ التعويض. فـ الضمان العشري هو حماية قوية، لكن التحدي يكمن في الكلفة الباهظة لإثبات العيب الخفي أمام المقاول الذي يراهن على التقادم والتشتيت الإجرائي.
1. تحمل المالك لعبء إثبات: “نفي العلم” يُصبح المالك مُطالباً، عملياً، بإثبات نفي علمه بالتلاعب أو الإهمال، وبنفس الوقت، إثبات أن تقصير المشرف أو المصمم كان متعمداً لإلزامهما بالمسؤولية التضامنية. هذا الإثبات المزدوج يُحوّل المالك من ضحية إلى مُدّعٍ يُحمل العبء الأكبر.
2. تفاقم العبء القانوني بانتقال الملكية: يزداد التحدي تعقيداً عند شراء العقار من مطور عقاري؛ فالمشتري يجد نفسه مُجبراً على ملاحقة طرفين في نزاع واحد: المطور (كـ بائع نهائي) عن مسؤولية التدليس والغش في العيوب الخفية، والمقاول الأصلي عن الضمان العشري. هذا التداخل يُحوّل المساءلة إلى متاهة استنزافية للموارد..
3. استنزاف لجان التحكيم : يُعتبر اللجوء للتحكيم مساراً عالي المخاطر والتكلفة للمتضرر. فبدلاً من تطبيق القانون، تُضطر لجان التحكيم لـ تتبع سلسلة القرارات الهندسية الخاطئة عبر سنوات وتحليل سجلات الإشراف الغامضة، وتحديد نسبة مساهمة المالك في تفاقم الضرر.
4. العائق المالي والزمني: المقاول المتهرب يراهن على أن المالك المتضرر لن يملك القدرة المالية أو الزمنية الكافية لخوض رحلة إثبات العيب التي تتطلب خبراء فنيين وتقارير مخبرية مُكلفة، مما يُجبره على التسوية بأقل من حقه.
لهذا، يجب تحويل التركيز من النص القانوني إلى آليات الحوكمة الاستباقية التي تُغلق منافذ التلاعب وتُسهّل عملية الإثبات على المالك مستقبلاً.
إرشادات الحماية الاستباقية: دليلك القانوني لتحصين الاستثمار والمبنى ضد التلاعب
إن دروس السيول المتكررة لا تُعلَّم إلا بـ “الكلفة”، وقد آن الأوان لتحويل هذه الكلفة إلى حصانة قانونية وهندسية استباقية. لا يمكن للمالك سواء كان فرداً يبني مسكنه أو شركة استثمارية تُشيّد مجمعاً أو مستشفى أن يبقى رهينة لضمير المقاول. الحل يكمن في تفعيل بنود تعاقدية تُغلق منافذ التلاعب، مُستفيدين من تجارب دولية ناجحة في فرض الجودة. 1- تفعيل المنصة الإلكترونية للشكاوى وربطها بالتصنيف المهني
يجب تحويل شكاوى الملاك من مجرد قضايا فردية إلى مؤشر أداء رسمي لضبط الجودة ومنع التكرار. ولتحقيق ذلك، يجب:
• إنشاء منصة مركزية للشكاوى : تتيح للمواطن أو المالك تقديم شكوى رسمية وموثقة ضد المقاول والمشرف في حال اكتشاف أي تلاعب أو إخلال بالمواصفات. يجب أن تكون هذه المنصة سريعة ومربوطة بالجهات القضائية والرقابية مباشرة.
• ربط سجل الشكاوى بالتصنيف المهني : يجب وضع نظام يُقيّم المقاولين بناءً على سجل شكاويهم الموثقة. إذا تجاوز المقاول نسبة معينة من الشكاوى التي ثبتت صحتها قانونياً، يتم تطبيق عقوبات تصاعدية تبدأ من التجميد المؤقت، وقد تصل إلى الإقصاء من المنافسة على المشاريع الكبرى والحكومية. 2- فرض “الرقابة المزدوجة” والخبرة المستقلة نظام التفتيش
لم يعد الإشراف الذاتي كافياً، بل يجب تحويل الرقابة إلى مهمة طرف ثالث حيادي ومحترف، على غرار الأنظمة الدولية:
• التعاقد مع “مقاول إشراف مستقل” كخبير: على المالك أو المستثمر التعاقد مع مكتب استشاري متخصص مستقل غير تابع للمقاول يتولى مهمة “التفتيش الميداني والرقابة على الجودة” نيابة عن المالك. يُمنح هذا المكتب الصلاحية المطلقة لوقف العمل فوراً عند اكتشاف أي مخالفة.
صلاحيات هذه الجهة تتجاوز المراجعة الإجرائية لتشمل:
• التحقق من مطابقة المواد في الموقع لشهادات الجودة المعتمدة.
• إجراء اختبارات موقعية للعزل المائي وقوة الخرسانة.
• الإلزام الفوري بوقف العمل وإزالة المخالفة عند اكتشاف أي تلاعب.
المنفعة القانونية للمالك: إن تفعيل هذا التفتيش المستقل يُعدّ آلية استباقية تنقل عبء إثبات العيب عن كاهل المالك إلى تقارير جهة معتمدة. ففي حال نشوب نزاع، تكون تقارير هذه الجهة بمثابة دليل قانوني قاطع وموثوق أمام لجان التحكيم والقضاء، مما يسد الباب أمام مراهنة المقاول على صعوبة الإثبات بعد سنوات. 3- إلزام شركات التأمين وتأمين المسؤولية
لتفادي الهروب من التعويض في النهاية، يجب ضمان وجود جهة مالية قوية مسؤولة:
• تأمين مسؤولية المقاول: يجب الإصرار على إلزام المقاول بتقديم وثيقة تأمين مسؤولية المقاول عن عيوب البناء “الضمان العشري” كشرط أساسي لبدء العمل، لضمان وجود جهة ذات ملاءة مالية “شركة التأمين” تتحمل مسؤولية التعويض عن العيوب الهيكلية حتى لو أفلس المقاول.
• الشفافية تجاه العيب الخفي: يجب أن تلتزم شركات التأمين بتوضيح شروط استثناء “العيب الخفي” في وثيقة التأمين بشكل صريح وغير قابل للتأويل لتجنب تحميل المالك مسؤولية التقصير غير المباشر.
الخاتمة: حوكمة الأمان.. تحصين الأصول بفرض الالتزام
إن المبادئ التي طالبت بها طوال هذه المقالة المساءلة الفورية للمُقصر، الشفافية في توثيق المواد، الرقابة المُستقلة الفعالة، والعدالة الناجزة في التعويض ليست مجرد مطالب عابرة، بل هي الأركان الأربعة التي يقوم عليها أي نظام حوكمة سليم. عندما تتجاهل منظومة التشييد هذه الأركان، تتحول المشاريع من أصول إلى أعباء، وتصبح عرضة للانهيار عند أول اختبار بيئي.
إن حماية بيوتكم، شركاتكم، مستشفياتكم، ومجتمعنا ككل، تتطلب تحويل الجودة من رغبة شخصية إلى التزام مؤسسي شامل، يعزز الثقة في استثماراتنا ويحصن أصولنا الوطنية ضد كل قطرة ماء متسربة. إلى متى؟ الإجابة تكمن في فرض حوكمة ورقابة صارمة على قطاع المقاولات لتجنب مخاطر السمعة النظامية التي تُهدد ثقة المستثمر المحلي والأجنبي في جودة الأصول العقارية.
عن صحيفة مال نشر: 16 ديسمبر 2025م




