الأدب والتاريخ

بروفيسور”محمد حامد الغامدي”: بلدنا مُقبلة على عطش حتمي

نتيجة بحث الصور عن الدكتور محمد حامد الغامدي"

أكد الأكاديمي وخبير مياه بجامعة الملك فيصل سابقاً الدكتور محمد بن حامد الغامدي أن المملكة العربية السعودية مُقبلة على عطش مُخيف حتمي لا مفر منه، وأن محطات تحلية المياة أكبر كذبة تجرعناها في ظل الحقائق التي غيبتها وزارة البيئة والمياه والزراعة.

جاء ذلك في حوار أجرته ” سبق ” مع الدكتور الغامدي وفيما يلي نص الحوار:

كيف حكمت أن السعودية مُقبلة على عطش؟

أجيالنا القادمة مقبلة على عطش، في ظل استمرار المؤشرات القائمة، وسيكون عطشاً حتمياً لا مفر منه لا سمح الله، فنحن أمام واقع مجنون، أرى نهايته واضحة في ظل واقع يبدد المخزون الإستراتيجي من المياه الجوفية، وأيضاً في ظل إهمال الخزان الإستراتيجي، الأهم، لتغذية المياه الجوفية في المملكة.

هل الزراعات العشوائية هي السبب؟

نعم الزراعات العشوائية وتخبط اجتهادات لا تراعي الوضع المائي في المملكة، فنحن من أفقر عشر دول في المياه ويجب تقييد الزراعة وفق حسابات تراعي الاستدامة وتتجنب التهور والاندفاع، وحتى الآن لم نتعلم من تجربة زراعة القمح والشعير والأعلاف.

متى ستعاني المملكة من العطش؟

الزراعة استنزفت من المخزون الجوفي ما يزيد عن (650) مليار متر مكعب خلال الثلاثة العقود الماضية، وهذا يؤكد أن العطش مسألة وقت، وعبر التاريخ كان نضوب المياه ظاهرة منسية لأنه يأتي ببطء، ولذلك لا يلاحظ بين الأجيال بشكل جدي، إلى أن جاءت الطفرة (1975)، فعجلت به كظاهرة عاشها وتسبب في تفاقمها جيل واحد.

هل هناك أمثلة على ما تقول؟

هذه الأحساء على سبيل المثال، بصفتها هبة مياه العيون الفوارة في شبه الجزيرة العربية، مع بداية القرن الماضي (1900م)، تم رصد أكثر من (70) عيناً في واحتها، كانت المياه تتدفق بشكل تلقائي، تزيد عن (المليار) متر مكعب سنوياً، لكنه في عام (1954م)، تم رصد (57) عيناً فوارة، وفي عام (1970م)، تم تأسيس مشروع الري والصرف على مياه ما تبقى من العيون الفوّارة، وكان عددها (7) عيون، من أهمها: الأخدود، أم سبعة، حقل، الحارة. في هذه المرحلة تم رصد تصريفها بحوالي (250) مليون متر مكعب سنوياً.

هذا التناقص في عدد العيون الفوارة وكميات مياهها كان مؤشراً على قدوم العطش، ثم جاءت ملامح الفاجعة التاريخية لنضوب مياه الواحة الأحساء مع بدايات عام (1980م). لكن الفاجعة تحققت بشكل كامل مع نهاية عام (1989م)، حيث جفت جميع العيون الفوارة الشهيرة في الواحة، ومع بداية القرن الحالي عام (2000م)، أصبحت مياه هذه العيون على بعد أكثر من (20) متراً تحت سطح الأرض، وكان الماء يتدفق من فوهات العيون لارتفاع (المترين) فوق سطح الأرض، في بداية سبعينيات القرن الماضي.

هل هذه مؤشرات العطش؟

ليس هذا فقط ولكن هناك مؤشر آخر على العطش ظهر في واحة الأحساء وهي عدد الآبار، حيث كان عددها لا يزيد عن خمس آبار قبل عام (1950م)، ثم ارتفع العدد إلى (887) بئراً عام (1967م)، ومع نهاية (1990م)، بلغ عدد الآبار في الواحة (10) آلاف بئر. وفي عام (2005) كان تقديري لعدد الآبار يزيد عن (13) ألف بئر، في مساحة الواحة البالغة (8000) هكتار.

إذن ما هي مؤشرات العطش في السعودية؟

مؤشرات قدوم العطش جفاف جميع العيون الفوارة في مناطق الدرع العربي، وجفاف الأودية في هذه المناطق، وتهدم النظم الزراعية والمائية التقليدية، وتصحر الجبال، وجرف تربتها النادرة، وموت شجر العرعر، أهم نباتات الغطاء النباتي في المملكة، والأمر يزداد سواء في ظل التوسعات الزراعية العشوائية وفي ظل زيادة الطلب لتلبية الاحتياجات السكانية، فلقد انخفضت مناسيب المياه الجوفية في بعض المواقع إلى عمق يصل (200) متر وكان الماء على بعد (10) أمتار، أيضاً من مؤشرات العطش ونضوب المياه عدد الآبار في منطقة المخزون الإستراتيجي والتي قد تزيد عن نصف مليون بئر، سحب الماء دون حسيب أو رقيب.

ومن مؤشرات العطش أيضاً الاندفاع الزراعي وتوسعاته غير المدروسة. فقد تم توزيع مساحة من الأراضي البور تفوق المساحة المزروعة في مصر بنهر النيل، في غياب خارطة زراعية تضمن استدامة الأمن الغذائي، ومن مظاهر العطش القادم، تركيز الزراعة في يد المؤسسات والشركات الزراعية ورجال الاستثمار، وإهمال الزراعة كمهنة.ومن مؤشرات العطش التخبط الواضح في التنوع الزراعي، فيتم إيقاف زراعة محصول ثم يتم استبداله بزراعة محصول آخر، وهكذا دون قيود، توقفت زراعة القمح والشعير وجاءت زراعة الأعلاف التي تستهلك وحدها ما يزيد عن نصيب دولة السودان من حصته السنوية من مياه نهر النيل، ثم اندفعنا خلف زراعة النخل بشكل غير مدروس حتى أصبح نصف إنتاجه فائضاً عن الحاجة، ثم اندفعنا خلف زراعة الزيتون، والآن جاء الاندفاع خلف إنشاء الجمعيات التعاونية الزراعية، وهكذا من جرف لآخر، وهناك المزيد من مؤشرات العطش التي نتجاهلها.

محطات تحلية المياه هل لها ضرر على الاقتصاد السعودي؟

أرى أن التحلية مشروع يؤكد تجاوزات عظيمة لها محاذير ومخاطر حتى على الوضع البيئي البحري، إن التحلية حمل يجب إزاحته عن كاهل الدولة أعزها الله، وهي أحد تجاوزات وزارة الزراعة والمياه مع بداية الطفرة، فهي مشروع اندفاع لا يختلف عن الاندفاع خلف زراعة القمح والشعير والأعلاف وبقية الزراعات العشوائية، بل تم الترويج لنا من قبل الوزارة بأن المياه الجوفية للزراعة والتحلية للاستهلاك البشري، وهذا فاقم من استنزاف المياه الجوفية على حساب المستقبل، وضاعف أيضاً من تأسيس المزيد من محطات التحلية غير الاقتصادية.

كيف نواجه المستقبل في ظل زيادة سنوية تبلغ حوالي (5) بالمئة على مياه الشرب؟

المملكة حالياً تنفق أكثر من (85) مليون ريال يومياً على تأمين مياه التحلية، وذلك لتغطية 60٪ من احتياجاتنا للشرب، وهي تنتج حوالي (1.5) مليار متر مكعب سنوياً فقط، في حين تستهلك الأعلاف من مياه المخزون الإستراتيجي للمياه الجوفية أكثر من (17) مليار متر مكعب، فهل عجزت الأرض بالوفاء بكمية ما تنتجه التحلية بكل هذه التكلفة الفلكية؟.

هل هناك حلول؟

لقد طرحت الحل الأمثل لمواجهة نضوب المياه، ولمواجهة العطش، وأيضا طرحت البديل عن التحلية، في مشروع لم يلتفت إليه أحد، بل تجاهله الجميع، مشروع قلت عنه وبكل ثقة، وما زلت أراه الحل الوحيد أمامنا لصالح البيئة، وصالح أجيالنا القادمة، ولإنقاذ المستقبل من العطش، إنه مشروع وطني مهم وكبير لتغذية المياه الجوفية، وبشكل طبيعي، مشروع لن يقل شأناً عن بناء سور الصين العظيم، مشروع سيضاهي معجزة بناء الأهرامات، مشروع سيكون من أعظم الإنجازات الإنسانية في شبه الجزيرة العربية، مشروع عطاؤه سرمدي لكل الأجيال، وإذا كانت الأهرامات مجرد مقابر ليس لها عطاء، وإذا كان عطاء سور الصين العظيم قد توقف، فإن مشروعي الطموح هو مشروع إنساني لضمان استدامة الأمن المائي والأمن الغذائي لكل أجيالنا القادمة وإلى الأبد بعون الله.

عن سبق الدمام

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى