الأدب والتاريخ

التوراة عند أحمد قشاش وكمال الصليبي (10) للأديب.د.محمد حامد الغامدي.

▪▪هذا المقال الأخير، عن كتاب الباحث القدير (قشاش). [أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة]. وقد استغرق كل هذا الوقت من المقالات. وذلك لأهمية ما يحمل؛ وأيضًا لتعدد مسارات قراءته؛ وأيضًا لمواقف مسبقة تصلبت زواياها. لقد عشت صراعًا فكريًّا لم أعشه من قبل، لذلك شرقت بكم وغربت عبر هذه المقالات. وقد جاءت بالكثير من التساؤلات المشروعة، وربما غير المشروعة أيضًا. تساؤلات تحركها أسباب تظل مبررات طرحها قائمة، وتطال بتغطيتها كل من له علاقة بالكتاب، حتى أنتم أيها القراء، بمختلف ثقافاتكم وتخصصاتكم وتوجهاتكم.

▪▪لم تكن مسؤوليتي تحديد صحة ما استند إليه الباحث من أدلة، أو مناقشته حذو القذّة بالقذّة، فذلك شأن له فرسانه وأبطاله. لكني كقارئ دخلت الكتاب من أبواب أخرى متفرقة، منها باب المعايير العلمية للبحوث؛ وباب البحث عن المعلومة؛ وباب الفضول واقتحام المجهول؛ وباب التعرف على الباحث وقدراته الإبداعية، خاصة الغوص في أعماق التاريخ؛ وباب التعرّف على الجديد؛ وأيضًا من باب الغيرة على الأمة، من التزوير وتحريف الحقائق، واستغلالها بشكل سلبي.

▪▪لقد أحدثت قراءة الكتاب صدمة عكست السلبيات إلى إيجابيات، وذلك في مراحل مختلفة من القراءة. وكانت تجربة جديدة وثرية لشخصي، جعلتني أعيش تضارب موجات طوفانها، وهيجان أبعادها، وضربات صراحتها الموجعة، وتشكيل رسومها المعقدة والمتشابكة. وكان أسلوب الباحث يقود بسلاسته شغفي المعرفي، وينقل شخصي من صراع لآخر. ونتيجة لذلك جاءت هذه الرحلة مع الكتاب في عشر مقالات، وكان يمكن لها أن تزيد.

▪▪وقد جاء الوقت لأبشركم بسلامة وصولي لنهاية الصفحة الأخيرة من الكتاب، محاطًا بفرح النّهاية، وسعادتي بسلامة رادار عقلي من دوار سفر متشعب المسارات. وقد عشت مع كل بحث ككيان، بحدودٍ ومحاذير، أشبه بنقاط تفتيش قائمة، للاستلام والتسليم، ينقلني إلى نقطة البدء من جديد في رحلة جديدة، داخل عالم بحث جديد آخر، ليس له علاقة بسابقه أو لاحقه.

▪▪إن الكتاب أشبه برحلة خيال، عبر صفحات تحمل فلسفة ناضجة، وتوجه عميق. إنها رحلة هدفها أن تعيد للدنيا حديث السندباد. وقد رأيت نفسي في ثياب (ابن بطوطة) متنقلًا بين البلاد. ولكن هذا الكتاب كان ينقلني من بلاد الزمن الحاضر، إلى بلاد الزمن الماضي، وبالعكس. الكتاب جعلني أعيش الماضي والحاضر، ولكن بعيون الباحث (قشاش)، الذي شكَّل كل شيء أمامي، وأخرجه في ثوب طرّزه وفق فنون رؤيته، لقضية المشروع الذي يحمل، ولهدف رسالته التي يسعى لتوصيلها.

▪▪لقد جعلني الباحث أعيش أمام لوحة فنية، وقد نجح في تحديد دوري مسبقًا. نعم لقد جعلني في موقف المقارنة، مندهشًا من رسمه ومعلوماته التي نثرها أمامي. وقد شكَّلها ولوَّنها بتحليلاته واستنتاجاته الشخصية، وأخرجها في قوالب بكل المقاسات، فهل تنال هذه القوالب أو بعضها إعجاب ورضى ومباركة أهل التخصص وحقائقه، وقد جعلها الباحث في موضع الشك والريبة؟

  • الحقائق ليست رأيًا لأحد

▪▪إن الحقائق تفرض نفسها، شئنا أم أبينا، وهي ليست رأيًا ولن تكون، ولكن الرأي يأتي ويطفو في ظل ملابسات غير واضحة، أو غير مفهومة، أو في أدلة اجتهادية ترفع راية الترجيح حول أي استنتاج بعد سرد الأدلة. إن تجاهل الحقائق وباء مقيت بنتائج مقيتة، إن القفز على الحقائق كمن يقفز من فوق مصيدة ليقع في قبضة مصيدة أسوأ.

▪▪وحتى يكتمل العقد، وحتى يعزز الباحث مشروعه التاريخي الجغرافي الجديد، كان لا بد له من إضافة دليله الخامس، الذي تمثله دراسته الخامسة -ولا أقول بحثه الخامس- وكان بعنوان: [طُور سِينين قراءة دلالية جديدة]، وعبرها أبحرت في قراءة الباحث، وقد أفرد لها (80) صفحة، ناقش وحلل واستعرض، وتوصل إلى نتائج مربكة لفهمي التاريخي الذي يدعي أنه تاريخ مزور وغير صحيح.

▪▪إن الحقيقة التي أرغب التأكيد عليها، تكمن في أن مشروع الباحث (قشاش) عروبي بحت، وفيه يسعى لإعادة هيبة وهوية العرب، من خلال ما يدعيه بأن التاريخ الجغرافي الذي نحمل، قد زوره المستشرقون لصالح المشروع اليهودي على أرض فلسطين العربية. ورأيت أن أقطف لكم بعض استنتاجات هذه الدراسة الخامسة، لتكون مؤشرًا على صدق النوايا، وليس عكسها. هذه النتائج قالت بالتالي:

▪▪أولًا: إن (الطور) لفظ عربي يعني الجبل، وقد ورد في معظم اللغات العروبية (الساميَّة)، ولا يزال مستعملًا عند أهالي السراة والحجاز، وهذا يثبت (كما يدعي) أن كلمة (الطور) ليست أعجمية، كما يروج أهل المآرب. وأضاف الباحث إلى تأكيد أن ما جاء في لغات تلك الشعوب، من ألفاظ مشتركة، إنما هو من موروث اللسان العربي القديم، مؤكدًا أنه كان لسان تلك الشعوب قبل رحيلها من جزيرة العرب.

▪▪ثانيًا: يدعي الباحث في استنتاجاته من هذه الدراسة الخامسة، أن اللغة المصرية القديمة، لا تحوي ألفاظًا يتقارب نطقها مع (سيناء) العربية أو (سيناي) العبرية، ثم ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وقال: إن (طور سيناء) في اللغة المصرية القديمة، تعني (جبل شن)، ثم فجر جدار التاريخ الذي نعرف بقوله: إن (جبل شن) هو اسم (طور عسير).

▪▪إن الباحث يعترف بوجود اختلاف بين العلماء في تفسير لفظ (عسير)، وناقش هذا في دراسته هذه، وبشكل مستفيض، إلى أن حسم الأمر لصالحه بقوله، إن اسم (عسير) مأخوذ من اسم (أسير بن يعقوب عليه السلام). وبهذا يرى الباحث (قشاش)، أنه حسم الخلاف حول معنى وأصل اشتقاق اسم (عسير). السؤال… من سيقف منكم مع الباحث؟ من منكم سيقف ضد استنتاجه؟ إن الحقائق ليست رأيًا لأحد، وستظل كذلك إلى يوم الدين. فهل الحقيقة ضائعة؟

  • الاستنتاج الضخم.. ما قبل 3000 سنة

▪▪ثالثًا: ذهب الباحث في قراءته إلى أن (طور سينين) أو (طور سيناء)، ليس في تلك الصحراء بين فلسطين وأرض وادي النيل، وإنما هو في جنوب غرب الجزيرة العربية، ثم ذهب إلى تحديد موقعه قائلًا، بأنه الجبل الذي يسمى (الطور) في سراة عسير. وقد استدل على قناعته هذه بمقارنات، منها أنها كانت، وما زالت أرضًا (قاحلة جدباء) من أقدم العصور.

▪▪إن الباحث بذلك يثبت أنها لم تكن مكانًا ملائمًا ليعيش فيها بنو إسرائيل، متنقلين مدة أربعين سنة. وقد خرجوا من مصر ومعهم بقرهم وغنمهم، وهذه ماشية لا يمكن لها البقاء في لهيب تلك الصحراء وجفافها. ويدعي الباحث بناء على إجماع علماء اللغة كما يقول، إلى أن الطور لا يسمى طورًا حتى يكون ذا شجر كثيف، وهذا لا ينطبق على جبل الطور الحالي في صحراء سيناء.

▪▪وعليه… فإن ذلك التبرير من الباحث، يثير الكثير من شكوكي حول صحة ما توصل إليه؛ فكيف أقنع نفسه بإسقاط الظروف البيئية والمناخية لشبه جزيرة سيناء في عصرنا الحاضر، على وضع كان سائدًا قبل أكثر من (3000) سنة؟ كيف نتقبل هذا ونحن نعلم أن البيئة تتغير وتتصحر في سنوات معدودة؟ عندي شك في الاستنتاج، وقبل ذلك لدي شك في الدليل، ولكن هذا لا يلغي أهمية ما تناوله الباحث وطرحه، بكل اقتدار ودقة في رسم أدلته واستنتاجاتها، ومنها تأكيده بأن مصر التي يقصدها القرآن، تقع في جنوب غرب المملكة، وليست مصر الحالية المعروفة بعاصمتها القاهرة.

▪▪وبعد، بهذه الدراسة الخامسة، وأيضًا الدراسة الرابعة، ندخل مع الباحث في نفق التصديق والتكذيب، ولكن يجب أن نفهم أن الحقائق ليست رأيًا لأحد، ولكن كيف نتعرف على الحقائق؟

  • العمل العلمي – المدد .. المدد

▪▪إن الباحث (قشاش) بهذه الأبحاث الخمسة، يقدم فصولًا من المعرفة بأدلَّته، وبتحليلاته، وباستنتاجاته، ما سيقود إلى حقائق يراها جديدة وأصيلة، فهل يسعى الكتاب لتعليمنا كيف ننسج عباءة المستقبل من نسيج الماضي؟ الكتاب أشبه بفلم خيالي يقودك نحو المستقبل، قادمًا من الماضي القديم البائد، وفي نفس الوقت ينقلك من الحاضر إلى نفس الماضي بعكس اتجاه السير.

▪▪إن الباحث يكتب التاريخ الذي يراه، ولكن هل يكتبه لأمة عربية لا تعرف حقيقة نفسها؟ هل يكتبه لأمة عربية تم تغليفها بأغلفة تشبه أغلفة إحدى مومياء الفراعنة؟ هل يسعى الباحث بهذه الأبحاث الخمسة تمزيق هذه الأغلفة بمفرده دون مساعدة؟ هل ينجح؟ على من يتوقف الأمر؟

▪▪لا يكتب التاريخ إلا الأقوياء، ولا يصنعه أحد غيرهم، ولا يفرضه إلا هيمنتهم. إنهم يحددون بهذا التاريخ المصنوع هويّة شأنهم، ومكانتهم، وأيضًا أجيالهم التي لم تولد بعد. ويأتي السؤال: هل نحن كعرب، في وضع يسمح لنا بإعادة كتابة التاريخ الجغرافي لمنطقة تموج بالأخضر واليابس؟ هل أقول: الحذر أيها القوم، الحذر أيها العلماء؟ هل تكمن قوّتنا في قراءة مستقبلنا أم في قراءة ماضينا؟ هل ماضينا ينبئ بمستقبلنا كعرب؟

  • الإنجازات العظيمة والمستدامة

▪▪ وقبل النّهاية، إنه في عام (1427ه/2006م)،فاجأ [الأستاذ الدكتور أحمد بن سعيد قشاش] الجميع، وبالأخص علماء النبات والجغرافيا النباتية، والبيئة في المملكة العربية السعودية، بكتابه الشهير معجم (النبات في جبال السراة والحجاز). وبعد ثلاثة عشر عامًا (1439ه/(2018م)، وعن نفس المنطقة، يقدم مفاجأته الثانية للجميع، وبالأخص علماء التاريخ والجغرافيا واللغة، بكتابه الثاني الموسوعة: (أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة). وفي هذا الشأن وجدت أن هذا العنوان لا يدل على محتوى الكتاب، وأهميته وبعده الإستراتيجي، فهو معجم نادر وثمين – سواء اتفقنا أو اختلفنا. إن الكتاب يستحق عنوانًا أفضل وأعمق يليق بهدفه.

▪▪ وقد ذهب الباحث إلى التأكيد بأن الكتاب يحمل مشروعًا يعزز هويتنا العربية، ويعلي من شأن جذرها بين الأمم، ويفتح آفاقًا أوسع لأهمية بلادنا، وهي الأرض التي وُعد بها إبراهيم عليه السلام، وهي مسرح رحلاته وذريته من بعده، إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويؤكد الكتاب أنهم لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، بل كانوا عربًا مسلمين، كما قال تعالى:

  • {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران 67)؛
  • {وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} البقرة (135)؛
  • {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة (136).

▪▪ أيضًا يؤكد الباحث أن بلادنا هي بلاد الأنبياء والرسل، وبهذا يثبت عروبة الإنسان والمكان واللسان ورسالة الأنبياء والرسل جميعهم. إنها بلاد تعد إرثًا للذين اتبعوا ملة إبراهيم عليه السلام، ممن آمن برسالة الإسلام، وأن ما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم، هو عين ما جاء به إبراهيم – عليه السلام، وهم المخاطبون بقوله تعالى:

  • {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} الحج 78.
  • الثّورة المعرفية

▪▪ إن إنجازات الباحث القدير (قشاش)، ثورة وطفرة معرفية، تقاعست عن تحقيقها الجامعات، ومراكز الأبحاث، والوزارات ذات العلاقة، وبكل ميزانياتها وكوادرها البشرية. إنه العطاء الشخصي للعقل السعودي الجبّار. إنه نجاح إدارته لوقته ونفسه وعلمه وجهده. عقل تعلم وأبدع. إن الباحث القدير لم يستكن لمسلَّمات الماضي، لكنه أضاف وغيّر وأنجز، ومضى أخيرًا ليحرّك مياه التاريخ الجغرافي الراكدة، وقبلها حرَّكت أبيات الشعر العربي فكر الباحث وتأملاته، ليقتنص فرصة الولوج للبيئة ويطلع علينا بمعجمه الشهير عن نبات الحجاز والسراة.

▪▪ إن تطلعات وإمكانيات الباحث (قشاش) ثروة وطنية. إنه يحمل الطموحات والمشاريع العلمية في مجال تخصصه، حيث برع في استثمار علمه، ليتخطى بواسطته حواجز تخصصات أخرى. إن عطاء الباحث ينبع من حبه للغته العربية، فقد منحها حبًا وإخلاصًا، ورفعها بالأدلة، إلى مكانة عالية المقام في أن تكون أم اللغات السامية، ويتطلع لتعزيز مستقبلها.

▪▪ ونظرًا لأهمية الأعمال التي أنجزها، ولأهمية ما يحمله من تطلعات للمستقبل، فهل يتحقق للباحث -الأستاذ الدكتور أحمد بن سعيد قشاش- الدعم -الذي يحتاجه ويحدده– وذلك لمواصلة استكمال ما بدأ، ولتعزيز طموحاته نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، التي يراها ضرورة لصالح الوطن؟

▪▪ أخيرًا.. أهنئ وأشكر النادي الأدبي بمنطقة الباحة دعمه لهذا المنجز الاستثنائي، لقد جعلتم هذا الكتاب حقيقة بين أيدينا. نجحتم في جعلنا نتعلم بالطريقة الصعبة.

عن العربي اليوم

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى