شيء من ابداع . أخونا الحبيب. صالح أحمد سحاب الغامدي بعنوان.. حين يصبح الصبر آخر الأحباب.


حين يصبح الصبر آخر الأحباب
أبات مهموم وأصبح على الهم مهموم، وأضحك مع الناس وقلبي من الوجع مكتوم، أخفي لوعتي وأداري دمعتي، وأمشي بين الخلق وكأن الفرح مرسوم، وفي داخلي حكايات لا تُقال، وجراح لا يداويها سؤال. يا معشر الناس، ما أكثر مآسينا، وما أطول ليالينا، رضينا بالهم رفيقاً، لكن الهم ما رضي يتركنا، كلما قلنا انتهى وجعنا عاد يطرق أبوابنا، وكلما واسانا قريب زادتنا الأيام جراحاً، حتى أصبح الصمت أبلغ من الكلام، وأصبح الدمع أصدق من كل سلام. كم من قريب حسبناه للروح دواء، فإذا به يزيد الجرح عناء، وكم من حبيب سلمناه القلب والروح، فتركنا بين الحيرة والبوح، ظنناه سنداً وقت الشدة، فإذا به أول الغائبين عند المحنة. يا أقرب الناس، لمن نشكي أمرنا؟ ولمن نحكي وجعنا؟ إذا غاب الوفاء، وضاع الصفاء، وتبدلت الوجوه، وصارت الوعود مجرد حروف في فضاء. سلمنا الروح لمن ظنناه بلسم الجروح، وأعطيناه الود بلا حدود، وانتظرنا منه كلمة ترد الروح، أو موقفاً يجبر الخاطر المذبوح، لكن بعض القلوب لا تعرف قيمة العطاء، ولا تدرك أن وراء الابتسامة قلباً أنهكه العناء. ومع قسوة الأيام، لا بد أن نصحو من الأحلام، وأن نعرف أن كرامة النفس فوق كل اهتمام، وأن من لا يشعر بوجعنا لا يستحق أن نستنزف لأجله أعمارنا. أنعى الود إذا رحل، وأنعى العهد إذا ذبل، وأنعى الليالي التي جمعتنا، والضحكات التي أسعدتنا، والوعود التي صدقناها، ثم اكتشفنا أنها كانت سراباً حسبناه ماءً. ليل وشتاء وغيم، والروح في بحرها وحيدة، تتقاذفها أمواج الذكريات، وتصفعها رياح السنوات، وكلما حاولت أن ترسو على شاطئ الأمان، أعادتها أمواج الخذلان إلى بحر الأحزان. لكن يا رب، أنت ملاذ الموجوعين، وأنيس المستوحشين، وجابر قلوب المنكسرين، إليك نرفع الشكوى، ومنك نرجو العفو والنجوى. اللهم إن ضاقت بنا الأرض، فأنت رب السماء، وإن خذلنا الأحباب، فأنت نعم الوكيل، وإن أثقلتنا الهموم، فأنت أرحم الراحمين. فيا قلب لا تحزن على من رحل، ولا تندم على ود بذل، ولا تقف طويلاً عند باب أغلقه صاحبه، فرب باب أغلقه الناس فتح الله من خلفه أبواباً من الرحمة والفرج. فالهم مهما طال له آخر، والليل مهما اشتد يعقبه فجر، والصبر وإن طال له أجر، وما خاب قلب علّق رجاءه بالله وانتظر.




