العلم والأدب والتاريخكتاب ومقالات

كاتبنا العزيز . صالح جريبيع الزهراني. يتحفنا بمقالته .. الحمار الأعرج!

الحمار الأعرج !

كتبها .. صالح جريبيع الزهراني.

قلنا له : اشتر لك خيلاً تستطيع أن تنافس بها الآخرين .. ففوجئنا به قادماً يقود وراءه حماراً أعرج .. وعندما سألناه .. كيف تشتري حماراً لميادين الخيل أجابنا : بأن الحمار أرخص وشكله شكل الحصان ويستطيع الجري أيضاً.

هذا حال بعض وزاراتنا مع التقنية والحكومة الإلكترونية والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي .. ما زالوا يعيشون في عالم المناقصات التي ترسو على المقاول الأرخص .. والنتيجة واضحة مسبقاً عندما تختار الأسوأ لتنفيذ مشاريعك .. بينما الغالي ثمنه فيه كما يقال .. أما الرخيص فإنه يرخصك ويتدنى بك وبخدماتك إلى الحضيض.

وفي الوقت الذي نباهي به العالم في المجال التقني ومدى التقدم الذي حققناه والمراكز الأولى التي حصدناها على مستوى العالم نجد بعض الوزارات تتعلق بثيابنا وتجرنا إلى الوراء .. فلا ندري أنحن متقدمون بفضل ما تقدمه وزارة الداخلية ( أبشر ) مثلاً .. أم نحن متخلفون بفضل ( العك ) السنوي والفشيلة السنوية التي تقدمها وزارة التعليم بمدارسها وجامعاتها في مسألة قبول الطلاب والنقل بين المدارس وبين المدن ومن كلية إلى كلية وجامعة إلى جامعة وتخصص إلى تخصص.

ومثل التعليم هناك وزارات أخرى للأسف تعتقد أنها بمجرد أن تخصص نافذة أو رقماً لرفع المعاملات أو للرد الآلي فإنها قد أتت برأس ( كليب ) وأنها قد جمعت المحاسن والمزايا كلها في المجال التقني .. وقدمت كل خدماتها على طبق من ذهب .. بينما الواقع ( يفشِّل ) فلا إنجاز ولا تفاعل ولا تواصل .. بل إهمال وصمت مطبق تتقنه آلتهم الصمَّاء .. وطبق من حجر يصطك به رأسك .. وينتهي الأمر بالرسالة المشهورة ( تم إغلاق البلاغ ) .. وعندما تتساءل على ماذا تم إغلاقه وكيف ومتى فإنك لا تجد إجابة لا رقمية ولا إنسانية .. وكأن مهمة تلك الوزارات إلغاء البشر تماماً والاكتفاء بتلقي المعاملات والشكاوى دون نتيجة .. وما منصة إحكام عنَّا ببعيد .. التي جعلتنا من سنوات طويلة مثل ( المعلَّقة ) لا هي متزوجة ولا مطلقة .. فعطلت أراضي الناس وعطلت معها البناء والتنمية في جميع أنحاء المملكة .. وما زال الأمر قيد المعالجة وتحت الإجراء منذ ست سنوات.

قيد المعالجة .. تحت الإجراء .. تم إغلاق البلاغ .. تمت معالجة الشكوى .. عبارات أصبحت تصيبني بالمغص .. ولا أملك إلا الحوقلة كلما رأيتها .. وحتى إذا تجاوب معك كائن ( بشري ) بعد 20 تحويلة وتحويلة فإنه ( مسكين ) لا يعرف حتى هو أين الموضوع وأين وصل .. وسينقل لك ما يراه في نفس الشاشة التي رأيتها أنت من قبل ويردد بكل بلاهة ( موضوعك تحت الإجراء ).

أما الخطورة الأكبر في الموضوع أن بيانات ( شعب كامل ) مكشوفة لشركات الحمار الأعرج .. بعد أن قدمتها وزاراتنا وشركاتنا الحكومية وشبه الحكومية على طبق من ( الرخاصة ) للشركات الأرخص في الشرق والغرب والشمال والجنوب من هذا العالم .. ووصل الأمر أن تجد الموظف أو الموظفة الذي يرد عليك في أخص خصوصياتك من خارج الحدود .. بل ليس سعودياً أصلاً .. ولا هو مسجل ولا مقيد في تلك الشركة أو تلك الوزارة .. وإنما يطلع على شؤوننا ( ويديرها ) من شركة ( تحت بير السلِّم ) تم التوقيع معها من الباطن وسُلِّمت رقابنا إليها.

ولا أستثني القطاع الخاص من الموضوع .. ومثلما نرى فيه نجاحات وإبداعات .. فإننا نرى فيه إخفاقات تقنية كثيرة .. والسبب أن الجهات المسؤولة عنه عاجزة هي أصلاً عن ضبط أمورها فما بالك بأمور الآخرين .. فنراه ( يبزوط ) على كيفه ومثلما يريد .. بعد أن جعلته تلك الجهات خصماً للمواطن وحكماً عليه في نفس الوقت .. واكتفت بإحالة الشكوى إليه وهو يقرر ما يشاء دون رقابة ودون صرامة ودون إجراء ( يشفي كبد ) المواطن المحروق من تدني الخدمات وضياع الجهود وضياع النقود وضياع الإنصاف .. وما معاملات البنوك وشركات الاتصالات والطيران وشركات التوصيل والخدمات اللوجستية بالذات عنا ببعيد.

أخيراً .. أيها الفاشلون في الوزارات المعنية .. لقد أثقلتم كاهل الناجحين في الوزارات المتفوقة .. وأصبحتم مثل الطالب البليد المشاغب الذي يعطل الأستاذ عن الدرس ويشغل زملاءه عن التركيز ويسقط في جميع الامتحانات .. إنكم تعطلون الرؤية عن تحقيق مستهدفاتها ومن أهمها جودة الحياة .. إنكم تشغلون المواطن بالجري خلف الفراغ وتصيبونه بالإحباط وتجعلونه ضائعاً تائهاً لدرجة أنه أصبح يتمنى عودة الورق والطوابير والواسطات و ( راجعنا بكرة ) .. وتبتكرون كل يوم منصة جديدة وأنتم وزارة واحدة وبإمكانكم أن تجمعوا كل خدماتكم في منفذ واحد وصفحة واحدة .. وتعتمدون على حمار رخيص أعرج وتريدون أن تسبقوا به خيول التقنية.

صالح جريبيع الزهراني
الاثنين 24 أغسطس 2026
جدة

مساعد ناصر أحمد آل مانع الغامدي

محب للثقافة والأدب ومجتهد في تدوين تاريخ منطقة الباحة وتراثها ورموزها السابقون واللاحقين في هذا الموقع العامر بكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

جميع الحقوق محفوظة