الأديب والكاتب .جمعان الكرت الغامدي . ينشر (الحلقة الأولىً) ما قاله المحامي . محمد مصلح حافظ الغامدي .. باقي رغدان اسمها في دواوين الخلافة”


باقي رغدان اسمها في دواوين الخلافة
الحمد لله، رفع أقوامًا بذكرهم وعزهم بأفعالهم، وكتب الخير على أيديهم بجميل تصرفاتهم، والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا. عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه قال: «خَلَتِ البِقَاعُ حَوْلَ المَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، فَقَالُوا: مَا يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا». رواه مسلم، وهو حديث صحيح. والذي ليس له ماضٍ لا يمكن أن يكون له حاضر، ورغدان قرية من قرى قبيلة بني خثيم، وعاصمة القبيلة، ومقر بيت الشيخة قديمًا وحديثًا، وقبيلة بني خثيم من أشهر قبائل غامد، وشيخة القبيلة في بيت آل عدنان قديمًا وحديثًا، شيوخ أدب وعلم وكرم وجاه، تغنى بمدحهم الشعراء قديمًا وحديثًا. شُرِّفت بالأمس بزيارة عابرة لسوق رغدان القديم، ما أحب أن يكون لي بها حمر النعم. بالأمس القريب شعرت أنني مقصر مع أستاذي الفاضل عبدالخالق بن سعيد الفقعسي، فقررت أن أزوره وألتقي به، فاتصلت عليه، فقال: أنا بسوق رغدان، عندنا مهرجان. فقررت أن أزور المهرجان وأزور أستاذي الفاضل. وكانت أول زيارة لي لسوق رغدان القديم، سوق بني خثيم، وليتني لم أزر السوق واستمررت في جهالتي به؛ لأنني ما إن دخلت السوق وبدأت أتجول في ساحات السوق وبين دكاكينه وأروقته، وجدت تاريخًا عريقًا وحضارة مدفونة. هنا دكان يحكي قصصًا للفقر والعوز والغنى والانهيار، وهناك غرفة معلم تحكي قصة معاناة وغربة، وهنا تاريخ وملاحم وأساطير، وأثر السوق أسطورة تاريخية. كان سوق رغدان يوم الأحد من كل أسبوع. يقدم له الناس من أطراف المنطقة، من قبائل غامد وزهران وبني عمر والبادية، ليس للتبضع فحسب، بل للعلم والأدب وأخذ الأخبار وسماع التوجيهات وسماع المواعظ، وأيضًا للتقاضي. في زوايا السوق رأيت أشياء لم يرها أحد، رأيت الكرم مرسومًا على تلك الأبواب، سمعت تراحيب أهل الديار وقد ماتوا، سمعت صوت المهراس، وشممت نار الكرم، سمعت صهيل الخيل، سمعت ضجيج السوق. هنا بيع وشراء، وهناك حكم وقضاء، وفي ناحية السوق شجار وخصام، وهناك شيخ حكيم يدير السوق ويأمر وينهى، والناس قيام من حوله، يأتمرون بأمره. هذا السوق ليس سوقًا للتبضع فقط، بل هو سوق للسياسة وإدارة الحكم القبلي، حينما ضعفت الدولة العثمانية وبدأ السلاطين يتسلطون على الناس ويسلبون أرزاقهم وأموالهم. كان لهذا السوق وشيوخه من بيت العدنان وقفة وصولات وجولات سجلها التاريخ لهم، وقُتل الباشا السلطان العثماني بهذا السوق مع أعوانه، لينتهي عصر الاستبداد، ويسجل شيوخ السوق وهذا السوق أعظم ملحمة ومشهد في انتهاء عصر الظلم والاستبداد. هذا ليس كلامي، بل كلام التاريخ. أما سمعتم تغني الشعراء بالملاحم؟ أما سمعتم في السوق صهيل الخيل وصوت الحق؟ أما سمعتم غطاريف النساء فرحًا بانتهاء عصر الظلم والاستبداد؟ أما سمعتم صوت الأبطال يعلو على صوت الفجار؟ هذه هي رغدان وقصورها الشامخة، وسوقها ومالها وسياستها. هذا هو سوق رغدان، تاريخ مطمور بعشرات السنين. لا يكفي أن يُحيى السوق أربعة أيام بتراث مصطنع فقط، وهناك تاريخ حقيقي وأمجاد وأبطال وبطولات. تحسرت كثيرًا وأنا أنظر للجمادات من أبنية، شاهدت مواقف الأبطال وكادت تتحرك من أماكنها، واليوم تشاهدنا ونحن نقف على الأطلال لنسمع دفًا أو زيرًا يدق، فنطرب ونتراقص. ليس هذا هو الهدف فحسب. الهدف أن يُحيى التراث ويُعاد السوق كما كان، تُرمم المباني، وتُرصف الطرقات، وتُفتح الدكاكين، وتُحيى الحضارة من جديد. هنا دار الحكمة، وهناك دار القضاء، وهنا مقر الجند، وهنا سجن به مجرم، وهنا دكان يبيع مستلزمات الزمان، وهنا متحف يحكي ماضيًا عريقًا ومجدًا تليدًا. لخمسة أيام بقيت من شهر صفر من عام ثمانية وأربعين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
كتبه المحامي محمد بن مصلح بن حافظ الغامدي- الباحة






