العلم والأدب والتاريخكتاب ومقالات

الأستاذ. سعيد حشرة الغامدي. يتحفنا بمقالته .. بالجرشي والشيخ علي الحذيفي . امام الحرم المدني حفظه الله.

بالجرشي والشيخ علي الحذيفي..!!

بقلم : سعيد حشره

نشر المصور الجوي المبدع أحمد النعيري مقطعًا لـ بالجرشي، أرفق معه تعليقًا لا يقل جمالًا: (بالجرشي.. لوحة طبيعية تتنفس جمالًا). هي كذلك يا عين الباحة، لم يكن المقطع الأول ولن يكون الأخير بإذن الله.
ما استوقفني وحرّضني على الكتابة أمرٌ آخر: صوت فضيلة الشيخ علي الحذيفي حفظه الله في المقطع. وتساءلت: هل قصد النعيري ذلك على خلفية علاقة الشيخ الحذيفي ببلجرشي، أم أن الأمر مجرد صدفة؟ كنت سأختار (أحمد النعيري.. بين اليقين والصدفة) عنوانًا لمقالي. وأيًا يكن، إن كان اختيارًا مدروسًا ومقصودًا فلا يُستغرب من رجل بوعي وثقافة وعمق النعيري، وإن لم يكن فلا بأس، فقد عُلِّق الجرس؛ لأتناول هذا الربط بين بلجرشي والشيخ الحذيفي حفظه الله.
للمدن القديمة ذاكرة لا تفنى، ووجدانٌ تغزل في حناياه القصص وتستجلب الذكريات، ولربما تصنع الأساطير. في بالجرشي، وفي جامع سوقها القديم في سوق السبت التاريخي ببلجرشي، كان الشاب علي الحذيفي، طالب المعهد العلمي، يؤم المصلين في بعض الصلوات، حتى قبل أن يصبح إمامًا رسميًا لمسجد السوق القديم ببلجرشي. كان صوته الرقراق يعانق السحاب، ويتدفق في المسارب وجنبات وزوايا سوق السبت العريق بأجزائه المختلفة.
وكان الحذيفي، الذي وُلد في العام 1366هـ، وقد نحت والده اسمه على حجر، قد تلقّى تعليمه بدءًا في كُتّاب قريته في القطاع التهامي، قرية القرن المستقيم أسفل عقبة الأبناء، قبل أن ينتقل إلى المدرسة السلفية ببلجرشي يافعًا، ثم إلى المعهد العلمي ببلجرشي، ليغادرها مكمّلًا دراسته الجامعية. لاحقًا عاد معلّمًا بالمعهد الذي درس به، وفي غضون ذلك عُيّن إمامًا لجامع السوق.
الحذيفي المعلّم درس التوحيد والتفسير والنحو والخط العربي، وظل إمامًا تعانق تلاوته السحاب. اكتمل تكوينه العلمي وتجربته كإمام وخطيب في بالجرشي قبل أن ينتقل إلى المدينة المنورة. في أحد المجالس سمعت بأن رؤيا تكررت عليه فُسّرت له بأن يُقدم على المدينة، ولم يتح لي التحقق من صحتها.
غادر بلجرشي التي ألفها وألفته، وسكن بوجدانها منذ أن قدم طالبًا في المدرسة السلفية ببلجرشي، التي أسسها الشيخ محمد بن جماح رحمه الله، والذي تبنّى الحذيفي علميًا. وبلجرشي لا تنسى حادثة وفاة الشيخ محمد بن جماح؛ فقد عاش مختلفًا ومات مختلفًا. لا زلت أرى مشهد وفاته رحمه الله، كان حينها يودع بعض ضيوف المنطقة من طلبة العلم والمشايخ – في مقطع مصور – أحدهم الشيخ عبدالكريم المشيقح إن لم تخذلني ذاكرتي. شعر بتعب، نطق الشهادتين، وأسلم الروح لبارئها رحمه الله.
ذلك المولود الذي نحت والده تاريخ ميلاده على حجر، نحت اسمه بأحرف من نور في وجدان الأمة الإسلامية. وقف إمامًا في محراب الرسول ﷺ، ووقف خطيبًا على منبر المسجد الحرام. ولم تقتصر أدواره حفظه الله على ذلك؛ فقد درّس في الجامعة الإسلامية، إلا أن العمل الذي لا يقل جلالًا وقدرًا هو ترؤسه وعضويته لعدد من اللجان المعنية بتدقيق ومراجعة المصحف الشريف في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وتسجيله الصوتي لأول مصحف مدقَّق ومجاز للمجمع.
وقد يستغرب البعض أن الشيخ الذي أتقن القراءات وحصل على الإجازات أتم حفظ القرآن بعد الثلاثين من عمره، وحتى التحاقه بالكُتّاب في قريته كان وهو في سن العاشرة.
سلامًا للشيخ الحذيفي، الذي قال مستعذبًا ذكرياته ببلجرشي بأنها كانت نقية، وبها لذة.
وختامًا، كأن المبدع أحمد النعيري في هذا المقطع الملهم، الذي رافقته تلاوة عطرة ندية – وإن أضيفت لاحقًا – للآيات من سورة فاطر، وقد عرف بأن للمدن القديمة ذاكرة معتّقة برائحة المسك وعبق الريحان وأريج الكادي، أراد أن يخبر الطرقات الحديثة المبتلة بماء السماء، والأرصفة المزدانة بالألوان، وأشجار الجاكرندا المزهوة بحلتها القشيبة، والعابرين الجدد، بأن عالمًا جليلًا يُدعى علي الحذيفي، في ماضٍ غير بعيد، مرَّ من هنا..!!

المصدر منه شخصيا 24 /9 /1447هـ

مساعد ناصر أحمد آل مانع الغامدي

محب للثقافة والأدب ومجتهد في تدوين تاريخ منطقة الباحة وتراثها ورموزها السابقون واللاحقين في هذا الموقع العامر بكم.

مقالات ذات صلة

0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى

جميع الحقوق محفوظة

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x