كاتبنا الكبير.. محمد ادريس . أتحفنا بمقاله ,, ما لا يُقال بعد الطلاق ,, وأنا أقول ليتنا نقرأ . وياليتنا نتعظ.


لم تعد قضايا الطَّلاق مجرَّد حالات فرديَّة متفرِّقة، بل تحوَّلت إلى ظاهرةٍ تستدعي التوقُّف عندها بعمقٍ، الأرقام التي تُعلن بين فترة وأُخْرى لا تعبِّر فقط عن تفكُّك علاقات زوجيَّة، بل تعكس تغيُّرات اجتماعيَّة وثقافيَّة متسارعة، تمسُّ مفهوم الزَّواج ذاته، وحدود الصَّبر، وطبيعة الشَّراكة بين الزَّوجين.
اللَّافت في هذا المشهد، أنَّ الطَّلاق لم يعدْ مقتصرًا على فئة عمريَّة محدَّدة، فبينما كان يُنظر سابقًا إلى الطَّلاق بوصفه نتيجة فشل مبكِّر في العلاقة، بات اليوم يشملُ زيجاتٍ امتدَّت لعقودٍ، هنا يصبح السؤالُ أكثرَ تعقيدًا: ما الذي يدفع علاقة استمرَّت عشرين، أو ثلاثين، أو أربعين عامًا إلى الانتهاء؟
في كثيرٍ من الحالات، لا يكون السَّبب حدثًا واحدًا مفصليًّا، بل تراكم طويل من الفتور، والصَّمت، وسوء الفهم، علاقات تستمرُّ شكليًّا، لكنَّها تفقد معناها الحقيقيَّ مع مرور الوقت، يتراجع الحوار، وتضيق المساحات المشتركة، ويحلُّ الاعتياد محلَّ الاشتياق، حتَّى يصبح الزَّواجُ إطارًا بلا مضمونٍ.
هذا النوع من العلاقات لا ينهار فجأةً، بل يتآكلُ ببطءٍ، سنوات تمرُّ دون مواجهةٍ حقيقيَّةٍ، ودون محاولةٍ جادَّة لإصلاح الخَلَل، ومع الوقت، تتراكمُ المشاعرُ المؤجَّلة، حتَّى يصل أحد الطَّرفين أو كلاهما إلى قناعةٍ بأنَّ الاستمرار لم يعدْ مُمكنًا، وأنَّ الانفصال أصبح الخيار الوحيد.
الأكثر حساسيَّة في الطَّلاق المتأخِّر، هو أثره الممتد على الأبناء؛ لأنَّ الأبناء البالغين لا يكونُون بمنأى عن تداعياتهِ، صورة الأُسرة التي نشأوا عليها تتغيَّر، والتَّوازن النَّفسي الذي اعتادُوه يهتزُّ، ويجدُونَ أنفسهم أمام واقعٍ جديدٍ يُفرَض عليهم دون تمهيدٍ، فالطَّلاق لا يُنهي علاقةً زوجيَّةً فقط، بل يُعيد تشكيل شبكة كاملة من العلاقات.
كما أنَّ المجتمع، في كثيرٍ من الأحيان، يتعامل مع الطَّلاق بوصفه قرارًا فرديًّا بحتًا، متجاهلًا آثاره الأوسع، فارتفاع معدَّلات الطَّلاق ينعكس على الاستقرار الأُسريِّ، وعلى نظرة الأجيال الجديدة للزَّواج، وعلى مستوى الثِّقة في فكرة الشَّراكة طويلة الأمد.
ولا يمكن إغفال تأثير التحوُّلات المعاصرة في هذا السياق، الانفتاح التقني، وسهولة المقارنة، وتعدُّد النماذج المعروضة لحياة زوجيَّة «مثاليَّة»، كلها عوامل تُسهم في رفع سقف التوقُّعات، كثير من الأزواج يقيسُونَ واقعَهم اليوميَّ بما يرونَه على الشَّاشات، لا بما عاشُوه فعليًّا، فتتَّسع فجوة الرِّضا، ويصبح الإحباطُ أكثرَ حضورًا.
في المقابل، تتزايدُ الضغوط الاقتصاديَّة والمعيشيَّة، وتتضاعفُ الأعباء على الأُسرة، هذه الضغوط لا تمرُّ دون أثرٍ، بل تنعكس توترًا، وانفعالًا، وسوء تواصل. ومع غياب أدوات الحوار، تتحوَّل الخلافات الصَّغيرة إلى أزماتٍ مزمنةٍ.
اللَّافت -أيضًا- أنَّ قرارات الطَّلاق، في بعض الأحيان، تُتَّخذ دون منح العلاقة فُرصًا كافيةً للمراجعة، فثقافة «البديل المُتاح» جعلت فكرة المحاولة أقلَّ جاذبيَّة من فكرة الانسحاب، ومع الوقت يصبحُ الطَّلاقُ حلًّا سهلًا، بدلًا من كونه خيارًا اضطراريًّا.
ومع كل بداية عام جديد، يتجدَّد الحديثُ عن التَّغيير، وفتح صفحات جديدة، غير أنَّ التَّغيير لا يعني بالضرورة القطع النهائي، ففي بعض الحالات، تكون المراجعة الصَّادقة، وإعادة تقييم العلاقة، ومحاولة الفهم المتبادل، خطوات كفيلة بتغيير المسار، أو على الأقل باتِّخاذ القرار بوعي أكبر.
الطَّلاق، بوصفه تشريعًا وحلًّا اجتماعيًّا، سيبقى ضرورةً في حالات تستحيل معها العِشرةُ، لكنَّ الإشكاليَّة حين يتحوَّل إلى ظاهرةٍ متكرِّرةٍ، وإلى خيارٍ يُتَّخذ دون تقديرٍ كافٍ لما يترتَّب عليه، فبعض النِّهايات لا تُقَاس بجرأة القرار، بل بحجم الخسائر التي تتركها خلفها.
* تحت السطر:
الطَّلاقُ ليسَ لحظةَ قرارٍ فقطْ.. بلْ سلسلةُ آثارٍ تبدأُ بعدَهُ.
عن صحيفة المدينة 25 ديسمبر 2025م



