الأدب والتاريخ

محمد بن لعبون (النجدي) أمير شعراء النبط بالخليج (الصدق يبقى والتصنف جهالة) تنقل بين السعودية والعراق وتوفي بالكويت.

image 0
رسم تقريبي لصورته

يعد الشاعر محمد بن حمد بن لعبون مدرسة من مدارس الشعر الشعبي وربما الفصيح أثرى المكتبة الأدبية بإنتاجه الشعري، حتى أصبح أحد رموز الشعر في العصر الحديث، ولا غرابة حينها إن أطلق عليه النقاد ومؤرخو الجزيرة العربية (أمير شعراء النبط) فهو عمق لتجربة حية وثرية يستشهد بها شعراء هذا العصر، لاسيما وأن صاحبه نبغ في الشعر منذ نعومة أظفاره، ساعده في ذلك عبقريته وذكاؤه وسعة وكثرة اطلاعه وقراءته لأمهات الكتب ناهيك عن تنقلاته بين بلدات نجد والزبير وبلدان الساحل والهند ما ساهم بتعدد ثقافاته تعزيز موهبته الشعرية وتعدد لهجاته، إضافة إلى أن غرف من بحر والده العلامة والمؤرخ النجدي الشهير حمد بن لعبون الذي يعد تاريخه مصدراً رئيساً لمن أتوا بعده، فنشأ الابن في بيئة علم وأدب وثقافة عامة ونهل من مكتبة والده مختلف الثقافات والقراءات المتنوعة في الأدب والتراث والشعر، كما شجعه والده وصقل موهبته وفتح المجال أمامه للإبداع، ويتميز شعر محمد بن حمد بن لعبون بجزالة المعنى، وثراء اللغة، وعذوبة ورقة العبارة ناهيك عن تميزه بمحسناته اللفظية، وصوره البلاغية، واستعاراته البديعية، إضافة إلى قدرته الفائقة على مزج الفصيح بالشعر العامي، وكاد في هذه الميزة تحديداً أن ينفرد بها عن غيره من الشعراء.

مولده

ولد الشاعر محمد بن حمد بن محمد بن ناصر بن عثمان (الملقب لعبون) بن ناصر بن حمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج الوائلي البكري العنزي. في بلدة (حرمة) في ربيع الثاني من عام 1205هــ، بمدينة ثادق، وذكر والده النسابة المؤرخ الشيخ حمد بن محمد بن لعبون نسب قبيلته فقال: “أول من سمي لنا من أجدادنا حسين أبو علي، وهو من بني وائل، ثم من بني وهب من الحسنة، وكان لوهب ولدان وهما منبه وعلي، ولمنبه ولدان وهما حسن جد الحسنة، وصاعد جد المصاليخ”.، ونشير هنا إلى أن تاريخ والده المؤرخ الشهير حمد ابن لعبون اعتبر المصدر الرئيس للمعاصرين له ولمن جاؤوا من بعده، كما لقب بـ”شيخ المؤرخين النجديين، لما حققه -رحمه الله- من نقلة نوعية في كتابة تاريخ نجد والمنطقة، وقد نشأ ابنه محمد وترعرع في بيت والده حيث بيئة العلم والأدب والثقافة، وتعلم من أبيه حب القراءة، ونهل من كتب والده التي كان يقتنيها في مكتبته لاسيما في ميادين شعر والأدب والتاريخ العربي والمحلي، كما تأثر محمد بما قراءه من أدب شعبي وشعر نبطي وثقف نفسه وأصبحت لديه حصيلة جيدة في العلوم والثقافات.

نبوغ مبكر

نبغ محمد في الشعر بسن مبكرة، وكما ذكرنا فقد كان للبيئة المحلية التي نشأ فيها دور في ذلك كما منحته مكتبة والده عمقاً وثقافةً أوسع واطلاعاً على عدد من المدارس الشعرية والتجارب النثرية، ما كان سبباً في سعة مداركه وصقل موهبته الشعرية وتمكنه من نظم القصائد، والتعرف على بحور الشعر وأنواعه وأغراضه، وكان والده معجباً بذكائه ونبوغ موهبته، وكان خير داعم ومشجع له، كما كان حريصاً على الاعتناء بولده وزرع الثقة في نفسه ومشاركته لمجالس الرجال وكبار الشخصيات والوجهاء والأمراء، ليعزز ثقته بنفسه وليزداد جرأة ومما يذكر أن محمد عندما كان في حدود الخامسة عشرة من عمره فاجأ والده بأبيات شعرية فائقة النظم والوزن والروي، وذات مرة امتنعت والدته أن تعطيه تمراً ولعلها رغبت في أن تجتمع العائلة ويتناولون طعام الغداء سويا، وبررت ذلك بضياع مفتاح مخزن التمر، ولكن محمد لم يقتنع بإفادتها، فصعد السطح وقال بأعلى صوته مخاطباً من يجد المفتاح

يا من عين المفتاح

من فوق وركي طاح

بطني كما الردّاح

يبغي غـــداً لــه

ولعله أراد بذلك إحراج والدته، فدخل الأب ووجد ابنه ينشد بصوت عال هذه الأبيات، فتوسم في ابنه الشعر وجودة النظم، ولا شك أنه أصبح كما توقع والده فنصوصه الشعرية تحتوي على صور بلاغية ومحسنات لفظية بديعة لا إفراط فيها ولا تكلّف، ولذا فقد عرف عنه أنه كان يأخذ منحى الفصيح ولذا جاءت عبارته سلسة كما تميزت مفرداته بالجزالة ومعانيه بالتنوع والخيال أحياناً هذا مع قوة لغته الشعرية سواء في الغزل أو المديح او الهجاء بل في جميع الأغراض الشعرية التي طرقها، كما عرف بتمرسه في اختيار المفردات ذات التأثير، تسنده في ذلك لغته الفصيحة وهو ما جعل لقصائده وقعاً وأثراً على مسامع المتلقين والمستمعين، لذا فقد أصبح لابن لعبون مدرسة شعرية خاصة به وهو ما أحدث نقلة نوعية في الشعر الشعبي النبطي، ومع أن ابن لعبون عرف بميله الشديد للغزل والتشبب وربما أن ذلك عائد لكونه عاش شاباً ومات في أواخر مرحلة شبابه حيث جرت العادة أن يتجه الشعراء في شيخوختهم لقصائد الحكمة والزهد والتبصر بمآل الحياة الدنيا ومع ما عرف عنه في شأن الغزل إلا أن دواوينه وقصائده لم تكن تخلو من قصائد الزهد والوعظ.

خاض بحور التنوع الأدبي والشعري.. وأثرى المكتبة العربية بإنتاجه الفريد

أسفاره

في السابعة عشر من عمره ترك ابن لعبون نجد متجها إلى بلدة الزبير ليعيش هناك حوالي (22 عاماً) جاد فيها بأروع وأشهر قصائده إلى أن أصدر الشيخ علي باشا بن يوسف بن يحيى آل الزهير، حاكم الزبير آنذاك أمرا بنفيه، وكان ذلك حوالي عام 1244هـ، فاختار الكويت التي قضي فيها ثلاث سنوات إلى أن توفي بسبب مرض الطاعون عام1247هـ، وهناك قول بأن ابن لعبون ذهب إلى البحرين قبل ذهابه إلى الزبير، وعموما فإن ابن لعبون قد زار البحرين والأحساء والقطيف، كما سافر إلى الهند لزيارة عمه ضاحي بن عون في مدينة بومباي، وكان عمه معروفاً ذا خير وفير وعلم غزير، ولكن ابن لعبون لم يحبذ البقاء في الهند فسافر إلى البحرين وبالرغم من خروج ابن لعبون من نجد في سن مبكرة وكثرة تنقلاته، إلا أن الحنين دائماً ما يشده لمسقط رأسه وموطنه الأول، ولذا فقد صاغ في بلدته ثادق رائعة من روائعه التي فاضت من بحور الأشواق وشكت أوجاع البين والفراق حيث يقول:

فَيا نَادِبِي سِر فِي قرَاها وَمَسْنَدِي

إلى حَيْ بَينَ أطلاَلْ نَجْدٍ جثُومَهَا

إلىَ سِرْتها مِنْ دَار ميّ وَغَربتْ

ونَابَاكْ مِنْ طُفَّاحْ نَجْدٍ خشُومهَا

أوَّلْ موارِي دَارهُمْ لِكْ جلاَلَهْ

حَاشَا الإلهْ وَبَاقِي الدَّارْ زُومهَا

علمي بهم قطن على جوْ ثَادِقْ

سِقاهَا مِرنَّات الْغَوادِي ركُومهَا

مَرَابيع لَذَّاتِي وَغَايَاتْ مَطْلبِي

وَمَخْصُوصْ رَاحاتِي بهَا في عمُومهَا

واكتسب ابن لعبون من خلال تنقلاته وأسفاره بين البلدان الخبرة والتكيف مع البيئات المختلفة، ومعايشة تلك المجتمعات مختلفة الثقافات والعادات، وهي التي تختلف عن ثقافة مجتمعه النجدي المحافظ، مما انعكس على شعره، وزاده تنوعاً وإبداعاً، حتى أن بعض النقاد أطلق على بعض قصائده (اللعبونيات) تميزاً لمفرداته ومعانية و”طروقه” المميزة، ما مكنه أنذاك من التربع على عرش شعر الغزل، لم لا؟ وهو الشاب المغترب والعاشق المدن.ومع شهرته بالغزل والتشبب فقد كان للشاعر محمد بن لعبون علاقات متينه بالعديد من الوجهاء والأعيان لاسيما في تلك المناطق التي زارها، كالكويت والزبير والهند والأحساء والبحرين بالإضافة إلى مجتمعه النجدي، لذا فقد تجد في دواوينه عدداً ليس بالقليل من تلك القصائد التي مدح بها العديد من الشيوخ وكبار الشخصيات في زمنه.

أشعاره

سلك ابن لعبون مسلك شعراء زمانه في الفصيح والعامي حيث انتشرت المدارس الشعرية المتنوعة والمتعددة منذ نهاية العصر الأول من العصر العباسي نهاية القرن الثاني هجري حيث ظهر مايسمى “البديع” ولزم الشعراء مالم يلزمهم في إظهار المحاسن الشعرية والصور البلاغية وسلكوا في ذلك طريقاً ساهم مع تقدم الزمن في التكلف في نظم القصائد فأصبح منهم من يكتب قصائد التورية وبعضهم أغرق في الرمز والبعض الآخر أسهب في المعجزات الشعرية كأن يكتب القصيدة دون نقط أو العكس أو يكتب أبياتاً تحمل نفس المعنى واللفظ في حال قراءتها بالمقلوب أو طرق ومسالك أخرى كالتشجير ولزوم مالايلزم وغيرها من الفنون والإبداعات التي تكلّف فيها الشعراء وبالغوا في نسجها حتى هبطت قيمة المعاني الشعرية والصور البلاغية إلى زمن أطلق عليه النقاد “عصر الانحطاط” والذي وافق أيضاً التخلف السياسي والعسكري والحضاري للأمة ولم يكن الشعر الشعبي بمعزل عن ما تعانية الساحة الأدبية في الشعر الفصيح لذا فقد سلك عدد من شعراء النبط مسلك أقرانهم في القصائد الفصحى فبدأوا بتزويق وتنويع الشعر ومنهم من أجاد ومنهم من تكلّف ذلك الشعر فلم يهتد إلى جادة الصواب، وكان محمد بن لعبون من الفريق الأول الذي خاض بحور التنوع الأدبي والشعري بتمكن وتمرس ومن ذلك قصيدته المشهورة (المهملة) وهي عبارة عن ثلاثين بيتاً شعرياً نظمها ابن لعبون دون نقط ومنها قوله:

أحمد المحمود مادمع همــل

أو عدد ماحال واد له وسـال

أو عدد ماورد وراد الدحل

أو رمى دلوه وماصدر ومــال

أو حدا حاد لسلمى أو رحل

سار هاك الدار أو داس المحال

أحمده دوم على حلو العمـل

سامع الدعوى ومعط للســؤال.

ومن أبياته ما سار بين الناس مضرباً للمثل كقوله:

الكل منا لو يصدق مقالـــــــه

القول واجد والحكي عند الأفعــال

الصدق يبقي والتصنف جهاله

والجد ما لانت مطاويـــه بتفـــــال

 وقوله

رجالهم مايسفـه الاليا شاب

مثـــــل القرع يفسد ليــــا كثــر لبه

وقوله:

أمك وبوك وكل ذي القاربات

محـــد يســـد السيــل عنك بعباته

 وكان لابن لعبون العديد من قصائد الشوق والحنين لدياره بلدتي حرمه وثادق وإقليم نجد على وجه العموم كما أنه له عدد من قصائد المدح لاسيما لوجهاء تلك الديار وها هو يثني على الأمير أحمد السديري ويشكو له غربته وشوقه وهو يقول:

جيت ناس عقب أهل مي نشاف

يطبخون الزاد بالماي النظيف

من عقب زل الزوالي واللحـاف

والمخده جوخ حطوا لي سفيف

إلى قوله:

ملتجين في ذرا ستر العفـاف

أحمـد لازال مزبـان المخيـف

ميمر تدعيـك ناره بالكثـاف

مرخص الكـوما إلى قل الرغيف

باجتوال وانحراف وانصـراف

كالسحـاب الجود مامده قصيـف

صيرف بالقول بل صراف قاف

مستجـار لدار غطـريف ظريـف

يا ثقيـل الروز بأيام الخفـاف

فيـه ثقـل الروز والطبع الخفيف

اشتكي لك من عيافي للعيـاف

من هوى طرد الجوازي انا معيـف

راميات من سهام بنصــراف

من غزال في فوادي له دنيـف

موريات يالسديري بالرضـاف

ورية الوقاد للقـدر الرهيـف

حالة تنعاف يا أحمد بالكسـاف

عن طريـق اللوم فيها وتعنيـف.

أما “أيقونته الشعرية” فكان الغزل الذي لا تكاد تصحي من ديوانه أجمل وأروع ما قاله في هذا الميدان ولعل منها قوله:

ألا يـا بـارق يوضــى جنــــاحــه

شمــال وأبعد الخـلان عنـي

علــى دار بشــرقـــي البراحــه

أقفـرت ما بها كـود الهبنــي

لكن ابها عقــب ذيــك الشراحه

إلـى مريـــت باسـم الله جني

يفـــــز القلب فيها للصبــاحـــه

إلـى قامــت حمامتــها تغنـي

تــوصينـي لأهلــــها بالنياحـــه

يعـود ان الحمامـة خير مني

وأنا وان كان لي بالنواح راحة

فأنا بانـوح دهري ما أوني.

 وقوله في إحدى “غزلياته” في عشيقته مي:

حـي المنــــازل بديم خــــزام

اتحيـة الجار للجاره

تحيـــــة الـــــعاشــق الـروام

لمـورّد الخد في داره

من ولــف دار لابن عــــــوام

شبت بناد الحشى ناره

واذكر بـــها ما مضى بــولام

إن كان تنفع التذكاره

فوق الاميلح قطيـــن خيــــام

مضروبة دار ما داره

منـــــازل يــا علي مـــــا دام

تنزل بها مي مع ساره.

ومن ( فن اللعبونيات )قوله:

زل دهــــرك يا محمـد بالغــــزل

والغــزال الـــى تهـزأ بالغـزال

والخدود الي كما وصف السجل

ناكساتــك بالسقـــم نكس الهــلال

والجبين الي بروقـــــه تشتعـــل.

مـع زلوف كنهــن داجـي الليــــال

زنة الخلخال تحدث بك وجـــــل

مع كمالك ما استحيت من الرجال

عاطلات الريم وادمــي الرمـــل

مع نبـات ظلهــن عنـــدي ظـــلال.

 أما غزلية التي طار بها الركبان وتناقلها الشيوخ والولدان فهي تلك التي شكا فيها سطوة الجمال الذي لم يستطع مقاومت سهامه الجارحة وهو يقول:    

يا علي صحت بالصوت الرفيع

يا مرة لا تذبين القناع

يا علي عندكم صفرا صنيع

سنها يا علي وقم الرباع

نشتري يا علي كانك تبيع

بالعمر مير ما ظني تباع

شاقني يا علي قمرا وربيع

يوم أنا آمر وكل أمري مطاع.

مدرسة شعرية

توفي ابن لعبون بالكويت عام 1247هـ، وقد أرخ الأب وفاة ابنه وكتب عنه أنه في هذه السنة توفي ابننا محمد وذكر بعض صفاته -رحمهما الله-، ولا شك أن الابن استفاد أيما فائدة من ثقافة والده وعلمه ومكتبته، حيث عرف عن الشاعر محمد بن لعبون مقدرته على مجارات القصائد الفصحى ومحاكاتها، بل أنه تأثر بها واقتبس منها وأخذ من بعضها كما فعل في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:

سقى صوب الحيا مز(ن) تهامى

على قبر(ن) بتلعات الحجازي

وقد أخذها من قصيدة باللغة العربية الفصحى للشاعر المدني ابن معصوم في قوله:

سقى صوب الحيا أرض الحجازي

وجاد مراتع الغيد الجوازي

وقول ابن معصوم في ذات القصيدة:

ليالي مشربي في الحب صفو

وثوب اللهو منقوش الطراز

وقول ابن لعبون:

ليالي مشربي صافي المداما

وثوب الغي منقوش الطراز

وهذا لا يقلل من هامة وقامة أمير شعراء النبط محمد بن لعبون، بقدر ما يدل على سعة علمه واطلاعه وثقافته في الموروث الشعري العامي والفصيح وهذا نادر بين أبناء زمانه وجملة أقرانه من الشعراء، كما أنه يدلل على علو كعبه على من سبقه في العامية والفصحى، لاسيما وأنه أدخل أسلوب النظم “الزهيري” وكثيراً ما كان يستعرض مهاراته ومقدرته الشعرية ليثبت وبلا جدال مكانته كأمير لشعراء عصره، لاسيما وقد تنوع في أساليبه وقصائده، فتارة ينهج الطرق التقليدية في الشعر، وتارة يغرق في التعجيزات والبدائع الشعرية والتلاعب اللفظي ونظم “المهملات”، وهي القصائد الخالية من الحروف ذات النقط والتي غالباً ما تأتي على حساب المعنى وإيصال الفكرة، بيد أنها مع “ابن لعبون” لم تكن كذلك بل أعطى “ابن لعبون” الشكل والمعنى نفس القوة، حتى بلغت به قدرته وموهبته الشعرية أنه كان يملي كاتبين في وقت واحد كل واحد منهم يكتب قصيدة منفصلة فإذا جمعت أصبحتا قصيدة واحدة.

عن جريدة الرياض – 01 ربيع الآخر 1438 هـ -اعداد منصورالعساف

______________________________________________________________________

نفته السياسة وقتله الطاعون يقول في أشهر قصائده :

والكل منا لو يطاوع مقاله

القول واجد والحكي عند الأفعال

الصدق يبقى والتصنف جهالة

والقد ما لانت مطاويه بتفال

تقول عذراهم عسى الستر فاله

ما كل رجال أشوفه برجال

ما هو بفخر لك تتقي بجاله

أثرك صحيح مثل ما قال من قال

رجل تقضي للطرب من خواله

واعتادهم يبغي العشا قبل عبدال

وكان الحب في زمن ابن لعبون لا يتعدى نظرات إعجاب خاطفة تظل في وجدان المعجب شهوراً وربما سنوات، وفي أغلب الأحيان لا تتعدى ذلك لأن التجاوز يكون ثمنه باهظاً، واستطاع بن لعبون بخياله الخصب وإلمامه الكبير بمفردات اللغة الفصحى والعامية أن يتحفنا بالكثير من القصائد الجميلة التي تتردد على ألسنة المطربين والشعراء والعامة، وهناك قصائد استطاع ابن لعبون صياغتها أثناء حضوره مناسبة ما، أو رؤيته لحدث من الأحداث، ومن أجمل قصائده قصيدة كتبها أثناء جلوسه في متجر صديق له يعمل صائغاً للمجوهرات، ودخلت المحل فتاتان أعجب الصائغ بإحداهما عندما انسدل الخمار عن وجهها، وكان هذا الصائغ اسمه ابن جلق ومن شدة إعجابه بالفتاة أخذ يطرق بالمطرقة على يده حتى أدماها . وكانت هذه مناسبة ليقول فيها بن لعبون:

ما طرق فوق الورق يا بن جلق

زور كف فوق كف ما يليق

كلما هب الهوا له واصطفق

حمّله بفراقهم مالا يطيق

حته المظنون به حت الورق

من شفا روح عليهم في مضيق

تنتحي رايات حربه وانخنق

مع نظير العين في طق وطقيق

ادعته غمس الليالي مطرّق

للعدد وان مرّ في ثوب الصديق

لو رموها بالحرق عقب الغرق

ما سلت بابن جلق عن ذا الطريق

ونجد في قصائد ابن لعبون الكثير من الدمج بين حبيبين:، مي التي تزوجت أحد شيوخ القبائل ومدينة الزبير التي عاش بها 22 عاماً، لذلك نرى دائماً في شعره ذكر دار مي وديار ابن العوام ويقصد بها بلد الزبير بن العوام إضافة إلى ذكر شواهد أخرى مثل سنام ويقصد به جبل سنام . يقول في إحدى قصائده لمي وصديقاتها:

اسأل الأطلال عن سود الحدق

حيث علمك بالطلل علم وثيق

ما عليك ان خلت براق برق

من ثنايا دار اهل وادي العقيق

قانيات العاسهن مثل الدنق

زرقة واجياد تلعات عنيق

محصنات ما علقهن الدبق

ما كشف غراتهن كود الابريق

خيلهن تشربك يا حلو المرق

جيشهن ياكلك كالخبز الرقيق

راكبات في طبق عالي طبق

من زعانيف الهوى قلبي خفيق

رحت ألومه من هواهن وانطلق

مدمع له سال من بحر عميق

ومن أجمل قصائد ابن لعبون، قصيدتان يبدأهما بعبارة منازل مي ويشير فيها إلى اثنين من معالم مدينة الزبير التي يقصد بها منازل مي، المعلم الأول هو قبة حسن ويقصد بها ضريح العالم الشهير الحسن البصري، والثاني قبر طلحة ويقصد به ضريح الصحابي طلحة بن عبيد الله، وكلاهما مدفونان هناك، اخترنا هذه الأبيات من هذه القصيدة التي يقول فيها:

يا منازل مي عن قبة حسن

من يسار وعن قبر طلحة يمين

في ربوع كل ما فيها حسن

في ديار كل ما فيها حسين

غرين شموسها واغلنطسن

موشحات ما يبات بها أمين

دار مي يوم مي لي تسن

سنّة العشاق عونك يا عوين

غنجة العينين والحد الحسن

والقوام ان قام عود الياسمين

عذلاتي في هواها وابخسن

هالخبر ماهوب من ذاك العجين

الزهيري

الزهيري ضرب من ضروب الشعر العامي، ونشأ هذا اللون من الشعر في البصرة والزبير ثم انتشر في الكويت ودول الخليج وبعض الدول العربية، وينسبه البعض إلى قبيلة الزهيرات في العراق، بينما ينسبه آخرون إلى أحد شيوخ الزبير الشيخ عبدالرزاق الزهير . ومعظم الشعراء الشعبيين ينظمون هذا اللون من الشعر الذي يمتاز عن غيره بعدة نواحٍ منها أنه شعر نظم بالدرجة الأولى ليغنى وأنه مؤلف من عدد محدود من الأسطر على وزن البحر البسيط، وهو إما من أربعة أسطر أو خمسة أو سبعة، وبرع ابن لعيون في هذا النوع من الشعر، وهناك زهيرية جميلة يقول فيها:

لا تعاج الغادرة وتريد منها علاج

ديغان تنصب على جو الضمير علاج

كم عالجوا قبلك أهل الحصون علاج

تالله ياما أفنى الزمان من مثلهم عاطات

وشربت من كاسات الصبر غاطات

غلق على القلب من هم الصفا غاطات

مايفيد غير الصبر للزمان علاج

المنفى

وقع ابن لعبون ضحية الخلافات السياسية بين الأسر الحاكمة التي حكمت إمارة الزبير، وكان هناك صراع علي الحكم بين ثلاث عائلات هي الراشد والثاقب والزهير، ووقعت جرائم قتل بين الفرقاء . وخلال ال22 سنة التي أقام فيها ابن لعبون في الزبير، توالى على حكمها 7 حكام، ونظراً لدخوله في اللعبة السياسية وإلقاء قصائد مدح في بعض الحكام، دفع الثمن فيما بعد عندما تولى الحكم الشيخ علي بن يوسف الزهير الذي أمر بنفيه واتجه للإقامة بالكويت عام 1829م، ويقال أيضاً إن نفيه كان بسبب بعض قصائده التي لا تناسب طبيعة المجتمع المحافظ . ويبدو أن ابن لعبون تعود على الزبير التي عاش فيها سنوات شبابه إضافة إلى حبه لمي، ولذا نجد قصائد كثيرة تبين لوعته لفراق الحبيبين، ومن المعروف أن الشعراء تجود قرائحهم بأجمل القصائد في أوقات المعاناة، وكان النفي سبباً في إطلاق ابن لعبون لأجمل قصائده، منها قصيدة يشتكي فيها للأمير أحمد السويدي ما يعانيه في منفاه من اكتئاب وشوق ويتذكر أيام الرخاء التي عاشها بالزبير وشظف العيش في منفاه، ويقول في هذه القصيدة:

ياهل العبرات عن دار التلاف

من عفا الله عنه يردف له رديف

عن ديار كل مافيها يعاف

ياركب ويلاه من سيف كسيف

حيث ناس عقب أهل مي نشاف

يطبخون الزاد بالماي النظيف

من عقب زل الزوالي واللحاف

والمخدة جوخ حطوا لي سقيف

شف منازل مي في ذيك الحضاف

ياطراش أن كان يحتاج تعريف

ذا مصب الماء وهذاك الرفاف

والحرم هذا وهذاك المضيف

موحشات كل مافيها يخاف

مهرة الخيال فيها ماتقيف

يالطيف من حكاياه اللطاف

سمني لعيونها عبداللطيف

كانت رحلة المنفى بالنسبة لابن لعبون رحلة قاسية، فبعد نفيه للكويت، حاول التكيف مع البيئة الجديدة، ويبدو أن الوضع لم يناسبه، فسافر إلى الهند لزيارة عمه الشيخ ضاحي العون رجل العرب في الهند، ولكنه بعد فترة قصيرة غادرها إلى البحرين وهناك التقى بشاعرها الثري عبدالجليل الطبطبائي، ولكن في النهاية رجع بن لعبون إلى منفاه في الكويت، وخلال تلك الفترة نظم الكثير من قصائده، ومنها هذه القصيدة:

ياخفي اللطف لطفك ياكريم

ترحم اللي اليوم عجز لا يقوم

مستهام لا ينام ولا ينيم

من سراميد الثماني والحلوم

مغرم في وادي الحبابه يهيم

يسأل أطلال المنازل والرجوم

كلما ناحت حمامات الصريم

في مغاني مي ناوحت الهموم

ماورا مير انت يالماشوم شيم

عن ديار جعل ساكنهن بوم

كم عذلني فيك أفاك أثيم

سامري مايروم اللي تروم

كل عين شوفها صاغ سليم

من سنانك ياعلي فيها هزوم

بعد سنتين أو أكثر قليلاً من إقامة ابن لعبون من في منفاه بالكويت، هجم وباء الطاعون على الكويت خلال عام ،1831 وراح ضحية ذلك الوباء مئات الكويتيين وهو من بينهم الشاعر . وكان الوباء انتقل إلي البصرة والزبير وانتشر بسرعة مذهلة في بقية مدن العراق حتى قضى على معظم سكان بغداد عام ،1834 ومن أجمل قصائد ابن لعبون قصيدة يامنازل مي في ذيلك الخروم . ويقول فيها:

يامنازل مي في ذيك الخروم

قبلة الفيحا وشرق عن سنام

ياسراب عن جوانبها يحوم

طامخات مثل خبر في يدام

يستبين بها الخبير بها الرسوم

دارسات كنهن دق الوشام

مابكت فيها من الفرقا غيوم

من نظير العين إلا عن عزام

من هموم في قلوب في جسوم

في بيوت في ديار في عدام

غيرت فيها تصاريف النجوم

وابدلت فيها بعين ماتنام

عوضت عنها الظعاين بالهدوم

وانتخاب البوم عن سجع الحمام

كل عيش غير عيشك مايدوم

يوم وصلك بالكرام والكرام

إسأل الأطلال عنهم ياغلوم

يخبرونك وابعيني ياغلام

كيف ابا اسأل من تحت ذيك الرجوم

صامتين مايردون السلام

يوم مي تحسب الدنيا تدوم

وإن عجات الصبي دوم دوام

في نعيم تحسبه لزماً لزوم

مثل منزلنا على ديم الخزام

يوم هي توريك خد به وشوم

يفضح البراق في جنح الظلام

داعجات غانجات لوتروم

كنهن في كنهن بيض النعام

هل غريم الشوق يشبع منك يوم

شبعة المسكين بأيام الصرام

أو تلمين الشمل لم الهدوم

ياليالي السعد عودن بالتمام

أو تردين البعض ذيك الهموم

والعرب والكل في ذيك الخيام

قالت اللي فات ماهب معلوم

ردته لك وأنت سالم والسلام

عن مدونة الخليج – المصدر (د . محمد فارس الفارس) تاريخ النشر: 08/06/2013-

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى