الأدب والتاريخ

بخروش بن علاس الزهراني.. قائد معارك الجنوب


بخروش بن مسعود العلاسي القرشي الزهراني أحد أشهر رجالات المنطقة الجنوبية الغربية من جزيرة العرب إبان النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، اختاره الأمير عثمان المضايفي -أمير مدينة الطائف من قبل الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود- ليكون أميراً على بلاد زهران وما حولها، وذلك عام 1218ه، وقد ورد اسمه في الكتابات والمخطوطات التاريخية وعبر الروايات الشفهية المتواترة باسم “بخروش بن علاس” إلا أن بعض الدراسات تروي أنّ اسمه بخروش بن مسعود العلاسي البخروشي القرشي الزهراني، والذي برز واشتهر في عام 1226ه، حيث تقدمت جيوش محمد علي باشا إلى عسير، حيث القائد طامي بن شعيب المتحمي أمير عسير الذي طلب الدعم من المدن والأقاليم المحيطة، واستطاع هذا الثنائي من صد حملات الباشا الواحدة تلو الأخرى، على الرغم من أن الإمدادات التي كانت تصل للجيش التركي تميزت بتنوع الأسلحة وحداثتها.
وغاب اسم ابن علاس عن المؤرخين والباحثين وحضر في رسائل خصومه، كما تناثرت أخباره ومآثره فلم نقف على باحث أفرد لسيرته مؤلفا خاصا أو رسالة علمية، ما أبقى سيرته وأخباره مقصورة في كثير من صورها على الرواية الشفهية المتواترة والتي وجدت في الكشف عن رسائل محمد علي باشا للخليفة العثماني مؤخرا شهادة موثقة لتلك الروايات التي كانت ومازالت تدور على ألسنة مؤرخي منطقة جنوب الطائف والباحة.
بخروش بن علاس هزيمة طوسون
برز اسم بخروش بن علاس عام 1226ه حينما تقدمت جيوش محمد علي باشا وابنه “طوسون” إلى الجهات الجنوبية الغربية من الجزيرة العربية، وحين ذاك كان القائد عثمان المضايفي أميرا لمدينة الطائف من قبل الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود ومن بعده ابنه سعود ومع بداية الحملة التركية -أواخر عهد الإمام سعود- كان المضايفي قد استعد لمواجهة حملة بدعم مباشر من الدرعية التي سيرت جيشاً قوامه (15.000) فارس بقيادة عبدالله ابن الإمام سعود لمؤازرة الجيوش السعودية هناك، كما انضم للجيش السعودي حين وصوله القائد المشهور طامي بن شعيب المتحمي أمير عسير وقد استطاعت هذه الجيوش هزيمة “طوسون” باشا الذي استعاد تنظيم جيوشه في عام 1228ه، بعد أن وصله الدعم من والده ليتمكن مصطفى بك رئيس فرسان محمد علي باشا وصهره من دخول مدينة الطائف.
ومن هنا بدأت معارك الكر والفر بين الجيشين السعودي والتركي وأصبحت مناطق جنوب الطائف ميداناً ساخناً بين الفريقين، واستمر حينها القائد طامي بن شعيب في مواجهة جيش الباشا بعد أن أسر الأمير عثمان المضايفي في العاشر من رمضان عام 1228ه، وكان محمد علي باشا حريصاً على أن يستولي على المناطق الجنوبية الغربية لإخضاعها لحكمه وقطع الطريق على القيادة في الدرعية.
استجاب لنداء رفيقه لدحر جيوش العدو المتجهة نحو عسير وتخلص من الأسر وتحدث عن بطولاته الرحالة والمؤرخون
محارب جسور
وبعد ذلك كتب الباشا للخليفة العثماني بإسطنبول ما نصه “وكما تعلم جيداً أن هذه -أي عسير- هي المصدر الرئيسي للدرعية وهي قلب قوتها، وإذا ما قدر لنا وللقانون أن يُخيم في ربوع هذه الجبال سيكون من السهل واليسير حل مشكلة الدرعية والقضاء عليها”، هنا وصلت جيوش الباشا إلى القنفذة وطلب حينها القائد طامي بن شعيب المتحمي الدعم من المدن والأقاليم المحيطة، وهنا يبرز اسم القائد بخروش بن علاس الوالي المعين من قبل الأمام عبدالعزيز على تلك النواحي منذ عام 1218ه.
وفعلاً استطاع هذا الثنائي من صد حملات الباشا الواحدة تلو الأخرى وعلى الرغم من أن الإمدادات التي كانت تصل للجيش التركي تميزت بتنوع الأسلحة وحداثتها إلا أن الأمير والقائد بخروش بن علاس استطاع من جهته أن يعيد هذه السرايا من حيث أتت، بل إنّه أرسل رسالة تحدٍ سخر فيها من جيش الباشا الذي أعاده بخروش من حيث أتى، أما القائد طامي بن شعيب فظل يناضل ويصد الحملات التي تحاول التقدم نحو إقليم عسير، وكان التعاون بين الأميرين غاية في الوفاء والإيثار فكل يذود عن صاحبه فمثلاً أثناء معركة القنفذة عام 1229ه استطاع الأميران طامي وبخروش أن يهزما جيش “حسن آغا” و”أسيوم أوغلو” بشهادة المؤرخ “جيرالد دو غوري”..
من جانبه فقد استطاعت جيوش القائد بخروش أن تصيب طوسون باشا والقائد عابدين بك وحينها دوت نتائج هذه المعارك في سماء الصحف العربية والتركية وظل الولاة العثمانيون يتناقلون أخبار تقهقر الحملة العثمانية ما أوقع محمد علي باشا في حرج كبير لا سيما بعد أن تلقى رسالة بخروش الساخرة إضافة إلى إصابة طوسون ابن الباشا، وقائده في هذه المعارك وفي حين كان القائد بخروش يقود الجيوش السعودية هناك، والتي كانت مكونة من أبناء القبائل في منطقة الباحة وجنوب الطائف كان القائد طامي بن من آثار قلعة يقال إنها تعود للقائد بخروش شعيب المتحمي يقود قبائل عسير في معارك ضارية، كما كانت قبائل البقوم ومن حولها بمدينة تربة تتأهب للمواجهات الحاسمة مع جيش محمد علي، وهنا اضطر الأخير لجلب أعداد إضافية من المقاتلين من جبال أطلس الذين اعتادوا على القتال في الجبال بالإضافة إلى المقاتلين الأرنؤوط “الألبان” الذي ينحدر منهم الباشا نفسه، فهو تركي عاش أسلافه في ألبانيا.
سر العودة
هنا فات على كثير من المؤرخين أمران بالغا الأهمية الأول يتعلق بعودة محمد علي باشا إلى مصر بعد أن حقق انتصارات وتقدم في إقليم الحجاز، وقد احتار المؤرخون بسبب هذه العودة المفاجئة رغم أنّ مصلحته تتطلب بقاءه بجانب جيوشه المتقدمة، والحقيقة أن سبب عودته عائد إلى هروب الإمبراطور الفرنسي “نابليون بنابورت” من منفاه في جزيرة “ألبا” وعودته لفرنسا ليخوض معركته الأخيرة مع الحلفاء الذين هزموه في معركة “واترلو” الشهيرة والتي استسلم بعدها الإمبراطور الفرنسي للعرش الإنجليزي، وكان “نابليون” قبلها بقرابة عقد ونصف العقد من السنين قد غزا مصر واحتلاها، ولذا فقد جاءت عودة الباشا لهذا السبب.
أما الأمر الآخر والذي لم يلحظه الكثير من المؤرخين هو إصرار محمد علي باشا على مواصلة توغله في مناطق عسير والزحف على اليمن، وقد علل ذلك للخليفة العثماني بما ذكره في رسالته أعلاه بيد أن الحقيقة أنّ الباشا محمد علي كان حريصاً على الوصول لليمن من أجل السيطرة على حقول البن ودخول مدينة “مخا” اليمنية التي عرفت بجودة محصولها من البن، وكذلك إقليم خولان وكان الأتراك يصدرون هذا النوع من البن الوارد من مدينة “مخا” إلى أوروبا تحت مسمى “موكا” كما ينطقها الأتراك، ومن المعروف أنّ محمد علي حين صباه كان يبيع القهوة وسجائر الدخان الذي يسميه الأتراك “تتون” وذلك حين كان صبياً في ألبانيا.
حرب نفسية
بالعودة إلى تقدم محمد على واستعداده للزحف لمنطقة الباحة فقد استعدت قبائل المنطقة بقيادة الفارس بخروش بن علاس الزهراني لصد حملات الباشا وفعلاً استطاع بخروش أن يصد الحملة تلو الحملة وانفردت بعض كتب التاريخ بتفصيل المعارك المستمرة بين الجيشين لا سيما حين داهم رجال بخروش جيوش الباشا وسط الجبال وقطعوا عليهم الطرق ورموهم بالصخور واستمر الكر والفر من قبل الجيش التركي الذي أصبح عاجزاً عن التقدم، حيث لم تقف مقاومة بخروش ورجاله على القوة العسكرية بل عملت على بث الأخبار المرعبة للجيش التركي من خلال حيلة هي أشبه ما تكون بالحرب النفسية في استراتيجيات المعارك والحروب الحديثة، حيث طلب بخروش من بائعي العسل والبضائع الذين يرتاد الجيش التركي مباسطهم أن ينقلوا ويصوروا للأتراك خطورة غزو الجبال التي تسكنها الجن وربما أرشدوهم إلى طرق وعرة تزيد من تمكين جيش بخروش منهم، وكانت مثل هذه الأخبار تنتشر بين جنود الباشا انتشار النار بالهشيم.
معركة بسل
خرج محمد علي من معاركه جنوب مدينة الطائف بانكسارات كبيرة ومكاسب قليلة متواضعة جعلت تقدمه نحو الشرف والجنوب بطيء إلى حد كبير وإلى حين معركة بسل الشهيرة، حيث تجمعت الجيوش السعودية جميعها في هذه المعركة الفاصلة والتي برزت فيها أسماء لامعة في الجيش السعودي كطامي، بن شعيب وبخروش بن علاس، وغالية البقمية، وجميعهم ضمن قوات الأمير فيصل بن سعود بن عبدالعزيز.
ويقول المؤرخ محمد بن عايض القرشي الزهراني في وصف هذه الأحداث “وحشد الباشا جيشاً عداده 25 ألف مقاتل تقريبا، ووصلوا إلى جدة بواسطة الاسطول البحري، ومنها إلى وادي بسل ووادي كلاخ، وكلاهما جنوب شرق الطائف بحوالي 60كم، وهناك بنى الباشا استحكاماته في تلك المنطقة، التي تعتبر استراتيجية لوجود المياه فيها، وأيضا التلال ذات اللون الوردي، والتي تصلح لاختباء الجنود، ثم استدرج الجيوش المتحالفة وهي (الجيش السعودي- وجيش بخروش- وجيش طامي من عسير) والتي كانت متمركزة في وادي غزايل، وكان معه سلاح فتاك في ذلك الزمن، وهو مدافع الهاون والبنادق “العصملي”، بينما العرب لا يملكون إلاّ البنادق المقاميع والسلاح الأبيض، وعزم ألا يغادر ذلك الموقع، لأنّه رآه استراتيجيا، حيث المؤن ميسرة تنقلها القوافل من جدة إلى بسل وكلاخ، وأسطوله البحري يواصل المدد إلى جدة يومياً من السويس وميناء القصير على شاطئ البحر الأحمر، وقد ذهب تفكير العرب المتحالفين في غزايل، إلى أن الباشا سيهجم عليهم في أي لحظة، في حين أنّه لم يفعل حسب خطته التي أصر من خلالها على أن يبقى مكانه في بسل، حيث بنى استحكاماته هناك، وحدث أن العرب المتحالفين في غزايل قد انتهت مؤنهم الغذائية، وكان عددهم حوالي 30 ألف مقاتل، وطال انتظارهم للمعركة، فقرروا الهجوم على الباشا وجيشه المتمركز في بسل وكانت تلك غلطة عظيمة دفعوا ثمنها”.
جيوب دفاعية
شكلت خسارة معركة بسل تحولاً في ميزان القوى حيث تمكن محمد علي باشا من المنطقة وظلت الجيوش المدافعة تقاوم على شكل جيوب دفاعية فكل قبيلة تهاجم وتدافع وتقاتل في أرضها، وكان القائد بخروش بن علاس يقود قبائل زهران التي أرهقت وبددت جيوش محمد على وابنه طوسون، حينها ظل بخروش يقاوم من جهته إلى أن تم أسره أخيراً من قبل جيش محمد علي بعد أن ضرب أروع الأمثلة في صلابة القتال، كما أسر صديقه القائد الفذ طامي بن شعيب المتحمي وأرسل إلى مصر ثم إلى إسطنبول، أما بخروش فقد استطاع أن يفتك بآسريه ويفك قيده ويهرب من السجن، إلاّ أنّ رجال الباشا تابعوه، واستطاعوا القبض عليه، ولما سأله الباشا لماذا تقتل الجند، رد عليه بخروش “ما دمت طليقا أعمل ما شاء”، عندها أمر الباشا بهذا البطل فقتل -رحمه الله- ودفن جسده في تهامة زهران، وحمل رأسه إلى مصر ثم أسطنبول مع القائد الشهير طامي بن شعيب، الذي أسر هو الأخر في ذات المعارك، حينها أرسل الباشا للخليفة العثماني يخبره بالتفاصيل حيث يقول: “استمر زحفنا إلى ديار بخروش رئيس قبيلة زهران وكان أميرهم في القلعة مع بضعة آلاف من رجاله”، ثم يضيف: “حاصرنا القلعة لمدة أسبوع ثم قمنا ببعض التفجيرات”، وبعد أن تحدث عن نهاية القائد طامي بن شعيب واصل حديثه عن القائد بخروش بقوله: “علاوة على ذلك، فإن بخروش الرجل الآخر القوي الذي منحناه العفو والأمان حاول الهروب في إحدى الليالي بعد قتل حارس سجن، تبعناه وألقينا القبض عليه”.
حكم بخروش
في المناطق المتاخمة لمدينة الباحة هناك مثل سائر بين الأهالي مفاده الثناء والإعجاب بما قدمه الأمير والقائد بخروش، حيث سار على ألسنة العامة مثل يقول “حكم بخروش” يراد به الإشارة إلى الأحكام الصارمة والجائرة أحياناً –كما تقول الرواية- مستشهدين بقصة شكوى قدمها بعض الأفراد من جماعة بخروش للشريف في مكة المكرمة يتذمرون فيها من بعض الأحكام التي يطلقها بخروش والتي وصفوها بالجائرة، والحقيقة أنّ المثل عائد إلى “قراقوش” خادم صلاح الدين الأيوبي ونائبه على مصر والذي اتهم بأحكامه الجائرة، لا سيما حين ألصقها به أسعد مماتي الذي توفي عام (606ه) والذي ألف كتابه ” الفاشوش في أحكام قراقوش” ليتهم “قراقوش” بهذه الفرية التي هو منها بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، حيث تثبت كتب التاريخ والتراجم حسن سيرة النائب “قراقوش”، الذي ربما كان لقرب اسمه من اسم بخروش سبباً في الخلط بين القائد بخروش والنائب قراقوش، فلم يذكر التاريخ برواياته المتواترة أن القائد بخروش كان حاكماً جائراً أو مستبداً كما لم يكن “قراقوش” كذلك، بل أن بخروش عرف في التاريخ أنه مناضل قاتل قتال حمى الأهل والأوطان، وربما أن هذا المثل إنما سار بين ألسنة العامة من باب الثناء على بخروش.
واستدلالاً على هيبته وجسارته قال عنه المؤرخ الإيطالي الذي رافق غزو محمد علي باشا في تلك الديار “جيوفاني فبناتي”: “لم يشهد العرب أشجع من بخروش في زمانه”، كما قال “جيرالد دو غوري” -صاحب كتاب “حكام مكة”- نقلاً عن المؤرخ السويسري” بوركهات” الذي حضر مقتل بخروش وكان شاهد عيانٍ على حروبه ومعاركه، “فبعد أن وقع بخروش في أسر محمد علي باشا تمكن بخروش من الهرب، وحين تم القبض عليه أمر الباشا بقتله ببطء”، وهنا يقول “بوركهات” في وصف مقتله “وظلوا عاكفين عليه هكذا إلى أن هلك، دون أن يشتكي”، وكان ذلك في عام 1231ه حيث وفاته رحمه الله رحمة واسعة.
منقول من جريدة الرياض اعداد منصور العساف

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى