الأدب والتاريخ

الشيخ. د.عبدالله بن صالح العثيمين. مؤرخ وأديب وشاعر . له مؤلفات وترجمات..أمين جائزة الملك فيصل العالمية. يرحمه الله

وقفات مع رحلة الشعر لدى الشاعر الدكتور عبدالله صالح العثيمين (1) (1355-1437هـ) جامعة القصيم

أجد من الصعوبة الحديثَ عن اتجاهات ومسارات شعر العثيمين في هذه الورقة الموجزة وفي هذا الوقت المحدّد، وربما لن أطرح جديداً أمامكم، ولكنها كلمات أحببتُ أن أشارك بها في هذه الندوة، لـ (نترحّم) و(نتذكّر) شاعراً غادر دنيانا قبل أيام إلى الدار الآخرة، لأن كثيراً من الناس لا يعرفون العالِم والأديب إلا إذا رحل، لذا لم أجد مبرراً للاحجام عن المشاركة بعد أن طلب مني الإخوة الزملاء في النادي الأدبي بالرياض المشاركة في هذه الندوة، وإن كان الزميلان المتحدثان وقسم من الحضور أعلم مني بالشاعر العثيمين، وأقرب إليه مني زمنياً واجتماعياً.

ظهر الشاعر عبدالله العثيمين مع كوكبة من شعراء القصيم بعد عام 1375هـ، منهم: إبراهيم الدامغ وصالح الأحمد العثيمين، والشبل، والسناني والنقيدان والمسيطير والعواجي، أحدث ظهورهم صحوة شعرية بشّرت حينها بتحولٍ وانتقال من شعر العلماء (شعر الجلال)، إلى شعر الهواة (شعر الجمال)..

ولد الشاعر عبدالله العثيمين في (عنيزة) التي أثارت اهتمام بعض الدارسين كابن إدريس، والخطراوي ومحمد العبودي وغيرهم، وتساؤلاتهم عن سرّ خصوبتها الأدبية، فهل للمكان عبقرية؟ هل للتقبل الاجتماعي دور؟ أم هل للمحيط أثر؟ هل الشعر ظاهرة مُعدية؟ أسئلة مُشرعةٌ أمام الدارسين للبحث عن هذا السر، الذي ظهر أيضاً في بيئتين صغيرتين جغرافياً، نائيتين عن المركز هما: جازان والأحساء.

قال الدكتور الخطراوي (شعراء من أرض عبقر 2 – 227)، ((إن عنيزة أمدّتْ روضةَ الأدب في العصر الحديث بمجموعة رائعة من بلابل الشعر وعناديله، طروبةِ اللحن، شجيةِ النغم، بديعةِ الترديد، تغنّت هذه المجموعة بشعرها في وقت مبكر نسبياً، من هذه الحقبة التي عادت فيها الحياةُ قويةً إلى هذه الديار، فكان شعرها بذلك لساناً معبّراً عن الوثبة، وحداءً لقافلة البعث والأحياء، ولحناً شروداً في أذن الليل)).

كتب عن شعره نقادٌ وباحثون من المملكة ومن خارجها، وكتبتُ عنه في كتابي حركة الشعر في القصيم، وأعدّت طالبة من جامعة القصيم رسالة عن شعره عام 1434هـ، وفي ظنّي أن شعره جدير بدراسات أخرى، لذا لن أُطيل عليكم في الحديث عن اتجاهات شعره وإنما سأقدّم (لقطات) و(وقفات) مختصرة حول أهم ملامح شاعريته، وأبرز ما لمسته من ظواهر عامة من خلال استعراضي لدواوينه بكل اتجاهاتها:

1 – بدأ الدكتور العثيمين حياته شاعراً وتوفي شاعراً، وكان لديه ميلٌ إلى اللغة العربية وآدابها، ودرس في قسم اللغة العربية، ولكنه تحوّل إلى تخصص التاريخ فيما بعد، لم تتأثر شاعريته بتخصصه وانشغاله بالتاريخ كتابة وبحثاّ وتدريساً، فإذا انصرف إلى الشعر وولي وجهه نحوه لا تلمس فيه أي أثر لتخصصه في التاريخ لغة أو أفكاراً وأسلوباً، كما نجد في شعر: عبيد مدني وعبد القدوس الأنصاري وابن خميس، وإذا انصرف إلى التاريخ وجدت نفسك أمام باحث جاد قد ترك العواطف والمشاعر وراء ظهره، وتسلّح بالمنهجية والإنصاف والموضوعية، مخلص مُحبٍ لمجاله، متمكن من عرضه.

2 – إذا قرأت شعر الدكتور العثيمين لتبحث عن هموم الشاعر وآهاته وبكائه وأوجاعه – كما عند أكثر الشعراء – فإنك لن تجد الحديث عنها إلا باهتاً ضعيفاً، فضمير الـ (أنا) لا يكاد يظهر في شعره، وحلّ في شعره ضميرٌ آخر هو ضمير (هو-هم) حتى وهو يتحدّث عن تجاربه الخاصة فإنه يستخدم ضمير الغائب مثل: قصيدة لا تظلموه (بوح الشباب51)، وقصيدة لا الشوق خفّ (لا تسلني13).. فالهمّ الجمعي العام هو الأبرز في شعره سواء على مستوى الوطن أو على مستوى العالم العربي والإسلامي، فحين سُئل عن الهمّ الذي يشغله؟ أجاب: (الهم الأكبر الذي أحمله في مرحلة الشباب هو الهم الذي ما زلتُ أحمله وهو قضية الأمة الأولى قضية تحرير فلسطين، وكل همٍ غيرها لا يساويها أهمية) المجلة العربية، ربيع الآخر 1424هـ.

3 – الشاعر عبدالله العثيمين شاعر وجدان وشاعر همس مُسالم خاصة بعد تجاوز مرحلة البدايات، فهو يخاطب بشعره الوجدان ولا يخاطب الآذان، فهو ليس شاعر منابر، حتى إنه ينفي عن نفسه أن يوصف بالشاعرية الفذّة والإبداع والفلسفة، وحين طلبتُ منه – ذات مرة – رأيه في بعض شؤون الأدب والنقد اعتذر لكون الأدب بمختلف فروعه وقضاياه – كما قال – صعب المنال بالنسبة له، فلم يكن (متهالكاً) ولا (مهرولاً) نحو الشعر والشاعرية رغم فتنتهما الساحرة، بل هو يترك الشعر ليأتي إليه، ويرى أن المجتمعات تحتاج إلى العلم والاختراعات أكثر من حاجتها إلى الأدب والشعر، فلا يريد أن يكون هو باكياً متباكياً، أي (ظاهرة صوتية)، ولا يريد أن تكون أمته أمة تفاخر بالشعر وحسب، في عالم لا مكان فيه إلا للعمل والإنتاجية.

4 – اتسم شعره كما اتسمت شخصيته بالبساطة والتلقائية والعفوية، والبُعد عن التكلّف، ففي شخصيته تلحظ بساطة المركب والملبس، وبشاشة الوجه، وفي شعره تلحظ السهولة الممتنعة، ولو أدّتْ هذه البساطة الشعرية إلى التقاط لفظة (عامية) أو (أجنبية) وعدم البحث الطويل المُضني عن بديل فصيح لها، طالما أنها تعبّر عن المعنى، ولا يجد حرجاً أو غضاضة في كتابة الشعر العامي، متى ما وجده مُسعفاً له عند التعبير عن شعوره، ولا يجد حرجاً أيضاً بالاستعانة – في سبيل وضوح النص وتماسكه – بالقصيدة التفعيلية، التي تقوم على تفعيلة عروضية، فهو ليس متعصّباً للشعر بكل قوانينه وضوابطه، فهو ينبذ التعصّب للمفاهيم والمصطلحات والتيارات.

5 – العثيمين: مثال حيٌ لـ (الشاعر صاحب الرسالة)، رسالة دينية ووطنية وتربوية، رسالة بعيدة عن (الأدلجة) و(التسييس)، قدّم رسالته بأسلوب متّزن ومتعقّل بعيد عن التحريض والتأليب والمزايدات، حمل هذه الرسالة منذ أيامه الأولى حتى وفاته، رسالة حملها بروح متوثّبة نحو الجديد والتجديد، والابتعاد عن التقليد والجمود، فقد فُصِل من دراسته بعد أن انتقد الأساليب الجامدة عند بعض المعلمين، الذين يريدون أن يكون الطالب نسخة من أستاذه، وحين كان يدرس في جامعة الملك سعود، أبان رأيه الصريح في موقفه المؤيد لآراء الدكتور طه حسين، الأمر الذي لم يُعجب أستاذه الدكتور أحمد الحوفي، مما أدى إلى فصله من الجامعة لأسابيع، واضطر معه العثيمين إلى التحويل إلى قسم التاريخ.

6- الروح المسالمة الودودة لدى العثيمين، فلم يدخل في خصام أو سجال أو مشاحنة مع أحد، وما تلك الروح (الإنسانية) الإيجابية في شعره نحو المستضعفين والمحتاجين ودفاعه عن قضاياهم إلا تعبيرٌ وصورة من صور حبّه للسلام، والوداعة، فقد سأله أحد الصحفيين: كيف تتحايل على الرقيب؟ فأجاب: (لا أكتب أو أحاول أن أنشر إلا ما أعتقد أنه نافع لهذه الأمة، ولا أعتقد أن الرقيب المعنيّ بما أنشر سوف يعارض ما أكتبه)، وكذلك هو غير متعصّب لرأيه في الحوارات والمناقشات، الأمر الذي يُجبر الشخص المقابل على التسليم بسلامة وصواب رأيه كما ذكر ذلك د. عبدالملك مرتاض (صحيفة الرياض 7-9-1422هـ).

7 – عدم الادّعاء والمبالغة في وصف أوضاعه المعاشية في طفولته، فلم يتظاهر بأنه قاوم أو كافح أو عانى في حياته كما هي عادة بعض الشعراء المتضخّمة ذواتهم، فحين سأله أحد الصحفيين: هل كانت هناك صعوبات اعترضت طريقكم؟ فأجاب: لم أواجه صعوبات في مرحلة شبابي، ومردّ ذلك إلى أني لم أتطلّع أو أطمح إلى أمور لم تكن في المتناول، أو في حدود الممكن، كان التعليم مؤمّناً بل كانت هناك مكافأة تزيد عن متطلباتي الشخصية…….. ثم أتت الوظيفة لتزيد من دخلي، وتجعل حياتي المادية جيدة (المجلة العربية ربيع الآخر1424هـ).

8 – تظهر في شعره روح الدعابة والفكاهة، والأسلوب الساخر، حتى في المواقف الجادّة، فتظهر سخرية المرارة في شعره حين ينظر في قضايا العرب والمسلمين فلا يرى بصيص نورٍ قريبٍ لانجلائها، لا تسلني61، وتظهر الدعابة والفكاهة في شعره أثناء حفل توزيع جائزة الملك فيصل العالمية كل عام، فغالباً ما يُقدّم في هذه المناسبة السنوية أبياتاً ترحيبية بالفائزين بأسلوب فكاهي، حتى اجتمع لديه شعرٌ جمعه في ديوان (صدى البهجة)، وكما نقرأ في قصيدته (لا الشوق خفّ) لا تسلني ص13، وهي قصيدة غزلية بفتاة بريطانية.. العولمة مطلوب 124، 110.

9 – الوضوح والتماسك: شخصية العثيمين (واحدة) و(واضحة)، وهو صاحب وجه واحد وضمير واحد، وتلك صفةٌ تؤدي إلى تماسك الشخصية في كل الظروف والمواقف، وبالتالي انعكس ذلك على شعره، فالقصيدة بين يديه قطعة شعرية متماسكة، فهو يكتبها كما يبدو في سويعات، ولا يترك القلم حتى يفرغ من كتابتها، لأنه شاعر مطبوع لا تستعصي عليه الفكرة، ولا اللفظة، وله أسلوب مميّز في التماس مدخل فني للقصيدة يحافظ على تماسكها، فيصوغها على شكل (رسالة): رسائل من الجبهة ص46 (عودة الغائب) أو على شكل (قصة شعرية) بوح: 25 وبوح 49، ويمكن أن يُضحّي بالقافية الموحّدة، في سبيل اكتمال التعبير عن التجربة في قصيدة واحدة، فينوّع في القافية بعد أن يقسّم القصيدة إلى مقاطع، لكل مقطع قافية مختلفة، بوح: 51، وقد يستعين – في سبيل وضوح النص وتماسكه – بالقصيدة التفعيلية، التي تقوم على تفعيلة عروضية. كما يستعين – في سبيل وضوح النص وتماسكه – بالقصيدة العامية، وله موقف متعاطف مع الفصحى لكنه يخشى بفضل حرارة شعوره وانفعاله – أن تموت التجربة في ضميره، لهذا يستعين بأقرب وسيلة للتعبير وإن كان عامياً..

مناشدة أخيرة:

لجمع شعره في مجموعة كاملة، متضمنةً الدواوين الأولى مع ما لم يُنشر من شعره، وأنا متأكد بأن ما ظهر في دواوينه المطبوعة هو (جزء) وليس (كل) ما كتبه.. وكما قال في أحد اللقاءات معه ردَّاً على سؤال: هل لديه شعر أو قصائد يحظر ويمتنع عن نشرها؟ فأجاب: بأن ليس لديه ما يخفيه، وبأن كل ما كتبه صالحٌ للنشر، ولم يندم على ما نشره لأنه عبَّر به عن مواقفه.. (اليمامة 26-5-1421هـ).

… … …

(1) ورقة بحثية، قدّمتها في ندوة عن الشاعر، في نادي الرياض الأدبي، بتاريخ 25-7-1437هـ- الدكتور/ إبراهيم عبدالرحمن المطوّع

عن جريدة الجزيرة-

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى