الأدب والتاريخ

الشيخ. خالد بن عمر الفقيه .. مهتم بجمع الوثائق والمخطوطات (دورنا في حفظ تاريخ منطقة الباحة العلمي).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم

الْحَمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ ، أَمَّا بَعْدُ : فإن الله تعالى لمَّا خلق الخلق ، جعلهم شعوبا وقبائل ، وجعل ألسنتهم وألوانهم مختلفة ، وخلق أباهم آدم من جميع طين الأرض ، فهم على تنوُّعهم لا يخرجون عن تلك الطينة التي خُلق منها أبوهم آدم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وقد جعل الله تعالى لهذه الشُّعوب والقبائل عادات ومعارف وأساليب حياة تختلف من شعب إلى شعب ومن منطقة إلى منطقة ، وذلك بحسب ما وهبهم الله من القوى البدنية والعقلية والنَّفسية ، فمنهم البارع في العلم أو البناء أو القتال أو التفكير والإبداع ؛ وغيرها من البراعات الموزَّعة بين الخلق ، وهذه حكمة الله تعالى الذي استخلف النَّاس في هذه الأرض ، بعد أن أُخرج أبوهم من الجنة . والحقيقة أن تراث بعض هذه الأمم بقي محفوظا ، وتناقلته أجيالهم ، وبقي معروفا عنهم عند غيرهم ، وهذا التُّراث يختلف من مكان إلى مكان ، ومن زمان إلى زمان ، فالبَعضُ حُفظَ تراثهم العمراني ، والبعض حُفظ تراثهم الطبي ، والبعض حُفظ تراثهم المعرفي ، والبعض حُفظ تراثهم الحربي ، وهكذا نجد أن لكل تراث من يقوم به ويحافظ عليه من أبناء تلك الأمم ، وإذا كان هذا على مستوى الأمم ، فإن أبناء هذه الأمم يتمايزون فيما بينهم أيضا ، فمنهم المبدع في الجانب العلمي ، ومنهم المبتدع في الجانب الصناعي ، ومنهم المبدع في الجانب العمراني ، وغيرها من الإبداعات المحفوظة التي لا تخفى على من لديه بعض اهتمام في متابعة هذه الأمور . هذه المقدّمة ، أحببت أن أمهِّدَ بها لموضوع مهم ، طالما أرَّقني ضياعه ، وأشغلني الاهتمام بحفظ ما بقي منه ، مع الاعتراف بجهود من سبقي من الأفاضل إليه ، فالمنطقة لم تخل من مهتمٍّ بذلك ، لكن كثيرا من العقبات تحول بينه وبين هذه الأمر ، إن هذا الأمر هو ( حفظ التراث العلمي في المنطقة ) ، وأنا أجزم أن الموضوع يُهِمُّ طائفة كبيرة من إخواني الذين يغارون على هذا الإرث ، إلا أن هذا الهمَّ والحرص لن يُكتب له النَّجاح إلا بتضافر الجهود الخاصَّة بين أبناء المنطقة الحريصين على هذا الإرث ، في ظل عدم وجود جهة رسميَّة ذات مجهودات واضحة تتبنَّى هذا الأمر وتحمله بمحمل الجدِّية ، وتنشر عملها على نطاق واسع في المنطقة ، حتى يتشجَّع ملَّاك هذا التراث لإبرازه والحفاظ عليه ، ومن ثم سيحرص الأبناء في المنطقة – بعد معرفة تاريخهم الحقيقي – على محاكاة الآباء والسير على طريقهم (1) . إن الإرث العلمي للمنطقة لا بد أن يبرز للناس جميعا – في المنطقة وخارجها – حتَّى تُصحَّح صورة الجهل القاتمة التي تلصق بمنطقتنا وأهلها ؛ وهم براء من كثير منها ، فالمنطقة مثل غيرها من المناطق ، لم تخل من أهل علم يعلِّمون النَّاس أمور دينهم ، ويفتونهم في ما يشكل عليهم ، ويوثِّقون مبايعاتهم ، ويقسمون تركاتهم ، ويصلحون بينهم في خصوماتهم ، على تفاوت في ذلك . وهناك بعض الكتابات التي وقفت عليها حول تراجم هؤلاء الأعلام وبيان مؤلفاتهم وتراثهم ، إلا أنها تبقى كتابات حديثة ومبعثرة يعوزها التحرير والتوثيق الجيد ثم النشر بشكل منظَّم ، وسأطرح نقاطا اجتهدت في صياغتها وترتيبها ، لمحاولة وضع طريقة نسير عليها للحفاظ على تراثنا ، ثم إخراج الصالح منه لغيرنا ، فنحن لا ندَّعي العصمة لمن سبقنا من أهالينا ، لكنا لا نرضى أن نوصم بالجهل أو غيره من الأوصاف التي لا يرضاها إلا بليد عديم الإحساس يرضى بالهوان .
وهذه النقاط التي رأيت أهميتها للحفاظ على تراثنا ” العلمي ” في المنطقة : أولا : حصر جميع المكتبات الخاصَّة والعامَّة ” القديمة ” في المنطقة خاصة ما فيها من الكتب المخطوطة ، ثم تصوير محتوياتها بالوسائل الحديثة ، كالتصوير الورقي ، والتصوير الرقمي ، ثم القيام بفهرستها ، وتوثيق محتوياتها ، ونشر هذه الفهارس بين أبناء المنطقة . ثانيا : محاولة جمع أكبر عدد من الوثائق المخطوطة العامَّة و الخاصَّة في المنطقة ، ثم ترقيمها ، وتصويرها بالوسائل الحديثة ، التصوير الورقي ، والتصوير الرقمي ، ثم فهرستها ، وتصنيفها كالتالي : أ – اسم العائلة . ب- القرية . ج – المدينة . د- تاريخها . هـ- كاتبها و- مختصر ما فيها
وهذه الوثائق تشمل الآتي : 1- المراسلات العامَّة والخاصَّة . 2- وثائق البيع والشراء . 3- وثائق المصالحات والمخاصمات .وهذه على سبيل المثال
مخطوطات آل الفقيه ( بلجرشي – البركة ) رقم المخطوط ( 161) تاريخها : 1039 هـ

ثالثا : تسجيل التاريخ العلمي القديم للمنطقة من أفواه الرواة الموثوقين الذين عاصروه أو الذين ينقلون عمن سبقهم ، ثم تدوينه وتنسيقه وطباعته ، ويعمل له فهرسا عاما يكون فيه : 1- اسم الواقعة أو الحَادثة . 2- مكان وقوعها . 3- تاريخ وقوعها . 4- اسم راويها واسم من رواها عنه إلى تاريخ القصة . رابعا : تدوين القصائد العلمية المروية في المنطقة ، خاصَّة قصائد الحكمة ، والقصائد التي تحتوي على الألغاز العلمية . خامسا : حصر أسماء أهل العلم المشهورين ، مع وضع تاريخ ولادتهم ووفاتهم ، ومكان طلبهم للعلم ، ثم إنتاجهم العلمي ، ويشتمل هذا على القديم منهم والحديث حتى لا يضيع تاريخ كثير من المعاصرين منهم كما ضاع تاريخ من سبقهم (2).
وهذا تطبيق عملي لمحتويات التراث المخطوط الموجود في مكتبة والدي عمر بن غرم الله الفقيه حفظه الله
هذه المخطوطات التي وجدناها في بيت أجدادي قبل سنوات وقد فهرستها لتبقى ذكرى لمن يريد الاستفادة منها في تاريخ المنطقة وغالب هذه المخطوطات هي من بيت آل حجر ( البركة _ المسعود ) ولا أدري كيف وصلت إلى أهلي ، لعل عبدالله بن حجر ( هجران ) أعطاها لجدي غرم الله رحمهم الله جميعا .
1- قطعة من الجامع الصغير أصابها بلل ولم يبق منها إلا بعض الأوراق .[ مخطوط ] 2 – منهاج الطالبين وعمدة المتفقهين ، للنووي ، [ مخطوط عام 1031 ] ( هكذا جاء الاسم على المخطوط ) والمشهور ( … وعمدة المفتين ) 3- مجموع فيه : أ – كتاب سفينة النجاة في معرفة أحكام الصَّلاة تأليف سالم بن سمير الحضرمي عليها تملك عام 1300 ، ثم تملك لرجل آخر واسمه مطموس ب – متن الآجرومية ، وعليها حواش . ج – متممة الآجرومية للحطَّاب ، وعليها حواش كثيرة ، نسخت عام 1306 د – كتاب ” فتح الرحمن ” تأليف العالم العلامة الشيخ محمد بن زياد الوضاحي هـ – رسالة منتقاة من بعض كتب الغزالي ، انتقاها أحمد بن الزين الحبشي و – رسالة في مذهب الإمام الشافعي في التوحيد والفقه والتصوف . ز – كتاب عمدة الأحكام ، لعبدالغني المقدسي ، كتب وقوبل عام 1307 4– مجموع فيه : أ – دعاء ، كاتبه غير معروف ب – كتاب المفيد ، في الحساب والجبر ، أُلِّف في 25/12/725 بزبيد ، نسخه صاحب المخطوط في 1278 . ج – كتاب المتممة للآجرومية ، كتب عام 1277 د – خطبة جمعة ، كتبت عام 1279 هـ – شرح الرحبية ، في علم الفرائض ، للشيخ العلامة أبي بكر أحمد بن عبدالرحمن أحمد السبتي و – قطعة من متن الآجرومية ، آخرها : المخفوضات ثلاثة مخفوض بالحرف … ز – قطعة من نظم الرحبية ، آخرها ” باب من يرث النصف . 5 – مجموع فيه : أ- ملحة الإعراب ، عليها حواش ، قرأها على الشيخ محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل ، وقد فرغ منها عام 1267 . ب- متن الرحبية ، بخط سليمان بن محمد بن أحمد الحفظي ، وعليها حواش . ج- الآجرومية ، بخط الحفظي ، فرغ منها علم 1244 . د- منظومة ” غرامي صحيح ” هـ – شواهد قطر الندى ، للأنصاري و – شرح قطر الندى ، لأبي عبدالله الأنصاري ، عليها حواش ، قال كاتبها : بلغ قراءة على شيخنا 11/7/1276 ز- متممة الآجرومية ، كتبت عام 1266 ح- قواعد الإعراب الصغرى ، ابن هشام 1268 ط- متن الجزرية كتب عام 1268 في آخر المجموع إثبات سماع جميع هذا المجموع لـ : عبدالرحمن بن عبدالله بن حجر الغامدي على الشيخ محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل . ” وهو بخط الأهدل ” . 6- أوراق كثيرة مضمومة إلى بعضها ، كأنها فوائد أو أسئلة ترد إلى شيخ معيَّن وهو يجيب عنها ويدون الأسئلة والأجوبة .
وقد سجَّل شيخي أبو عمر عليها أول ما وجدها الآتي : ( مجموعة مسائل وفتاوي على المذهب الشافعي ، جمع : محمد بن عبدالله بن يحيى الطيب الناشري ) 7 – مجموع فيه : 1- منح الفتَّاح بأركان عقد النِّكاح .
تأليف محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل . انتهى منها عصر يوم الجمعة 15/5/1268 هـ 2- إفادة المحبِّ في ترتيب ما يجب . تأليف محمد بن عبدالله بن أحمد با سودان . بخط عبدالرحمن بن عبدالله بن حجر الغامدي ، تم الانتهاء من كتابتها قبل صلاة الجمعة بجامع ” المراوعة ” في 15/7/1268 هـ
وقد قرأها وقابلها على الشيخ محمد بن أحمد الأهدل . وبخط الأهدل : سمع من هذه النسخة من أولها إلى آخرها جماعة من الطلبة الحذَّاق ، منهم صاحب هذه النسخة وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن حجر الغامدي فتح الله عليه فتوح العارفين ( وذلك في سلخ ) شعبان لإحدى عشرة ليلة مضت منه سنة 1268 . كتبه العبد الفقير محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل عفا الله عنه . 3- كتاب مسائل التعليم . تأليف عبدالله بن عبدالرحمن ابا فضل الحضرمي . في آخرها : تمت هذه النسخة المباركة بحمد الله تعالى وحسن توفيقه بخطِّ محصِّلِها لنفسه ولمن شاء من بعده عبدالرحمن بن عبدالله بن حجر غفر الله له ولوالديه ولوالدي والديه ولمشايخه في العلم الشريف ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ، وكان الفراغ من كتبها يوم الإثنين في آخر شهر ربيع الثاني من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصَّلاة والسَّلام سنة 1266 هـ ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم . 4- شرح ابن قاسم الغزي المسمَّى : فتح القريب في شرح ألفاظ التقريب .
تأليف أبي عبدالله محمد بن قاسم الشافعي . في آخره : بخط عبدالرحمن بن عبدالله بن حجر عام 1266 هـ .

وهناك كتب مطبوعة قديما كالبخاري ومسلم وابن كثير والجلالين وكتب في المذهب الشافعي وكتيبات صغيرة
وفي الختام أحب أن أنبه لقارئ الكريم إلى أن هذه الأفكار التي طرحتها ، قابلة للإضافة أو التعديل ، وقد سبق إلى القيام ببعضها بعض المهتمين في المنطقة ، لكن الاستدراك عليهم كبير ، ولهم فضل السبق إلى ذلك ، والجيل الحديث يبني ويكمل ما بناه أهل الفضل قبله ، أسأل الله أن يرحم من مات منهم وأن يوفق من بقي .
هذا آخر ما سمح البال ، ولعلي أقوم بالزيادة والتوضيح في وقت آخر إن شاء اللهأخوكم أبو عبد الرحمن خالد بن عمر الفقيه البركي الجرشي الغامدي 4/2/1430 هـ

(1) وقد سمعت عن موسوعة أصدرتها إدارة التعليم بمنطقة الباحة اسمعها ” موسوعة التعليم في المنطقة ” ، ولم أرها ، وقد سألت عنها الدكتور عليا الحفاشي نائب مدير إدارة تعليم الباحة سابقا عندما زارنا في المدرسة السعودية ببلجرشي قبل عامين تقريبا ، إلا أنه لم يعرفها ، وسألت عنها أحد الزملاء ، فذكر أنها طبعت ، ووزعت أيَّام مدير التعليم ” عبد الرحمن الدهري ” ونفدت نسخها ، وهذه من الغرائب التي لم نسمع لها نظيرا ، فما الفائدة من جمعها وطباعتها ، إن لم تكن متوفِّرة بين يدي الباحثين والمهتمين . ويزداد العجب حينما تعلم أخي القارئ أن موسوعة بهذه الأهمية لا توجد حتَّى في المكتبة العامَّة في بلجرشي!- وهي المحافظة الثانية إداريا على مستوى المنطقة- ، فلمن طبعت هذه الموسوعة إذن ؟! (2) ومن أجلِّ ما كتب في هذا الباب ، ما ألَّفه شيخنا المحدِّث عبد العزيز بن عبد الله العمَّاري الزَّهراني حفظه الله وأطال في عمره على طاعته ، في كتابه الفذِّ الأعجوبة الفريد في بابه ” مُعْجَم الرُّوَاةِ الأَمَاجِدِ مِنْ عُلَمَاءِ زَهْرَانَ وَغَامِد” ، والذي طبع في ثمانية مجلَّدات في طبعته الأولى عام 1418 هـ ، وستصدر الطَّبعة الثَّانيه منه قريبا إن شاء الله في خمسة عشر مجلَّدا ، أسأل الله أن يكتب للشيخ أجر هذا العمل المبارك ، الذي يحقُّ لكل زهرانيٍّ أو غامديٍّ أن يرفع رأسه به ، فقد أتى بالرُّواة من عهد الصَّحابة رضي الله عنهم إلى عهد أصحاب كتب السُّنَّةِ السِّتَّة .

عن تواصل غامد- 3 /12/ 2013

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى