الأدب والتاريخ

محمد ملاسي الغامدي.عملاق الشعر .. يقــل محــمد ملاسـي من رضي ما غبن* لا تعــذلون العــرب كــلاً برشـــده يعيـش

أنعم الله سبحانه على بعض خلقه بنعم لم يعطها آخرين ومن بينها نعمة ( قرض الشعر ) فكثير ممن لم يعط هذه النعمة ليس بكاره لما يقوله الشعراء أو بعضهم بل قد تجد من بينهم من يحب الشعر ويتلذذ بترديده ويتمنى لوأنّه يستطيع قول بيت واحد يعبر به عما يختلج في نفسه من مشاعر متباينة في كثير من المواقف فكيف به لو أُعطى الملَكة وأظهر ما كَمُن وقبل ذلك وبعده تم تخليد ذكراه بما يقول ….. إذا….. فقرض الشعر نعمة كباقي النعم قد ترفع صاحبها وقد تهوى به في مكان سحيق .

قصيدة وربما بيت من قصيدة ينطوي على ( مَثَل ) أو ( حكمة ) ينشر اسم القائل ويذيع صيته بل ويحفظ له اسمه بعد موته حتى عند من لا يعرفه .

فملاسي مثلا رجل أمي مغمور فقير لكنه غني بالذكر عند الملأ والسبب مقولته المشهورة ( من رضي ما غبن ) و ( كلا برشده يعيش ) حيث جعلت منه أسطورة تتردد ذكراها بين القبائل وتتداولها الألسن جيلا بعد جيل مترحمة عليه رغم أن أغلب أصحابها لا يعرفونه بل وأكثر من ذلك فقد دفعت بمعجب مثلي إلى البحث عن موروثه الشعري وتدوينه وإظهاره ليس ليزيده شهرة على شهرته فهوغني عن كل ذلك لكنّه تدبير من الله لكي يترحم عليه كثير ممّن يمرعلى ذكراه بعد أن طويت صفحته وانقطع عمله ! فكم هم المحضوضون من أمثاله ياترى ؟!

أعطى محمد ملاسي أو( ابن جهاد ) قدرة فائقة على نظم شعر ( الحكمة ) و ( تخليد الأحداث ) و (نقل صور الماضي وترسيخها ) من دون تقنية أو تدريب أو تعلم أوشهادة فنال من الشهرة ما لم ينله كثير ممن حظي بكل ذلك وحرم من نعمة قرض الشعر أو رسم لوحات بمفرداته خالدة .

الملاسي يقل فكّرت ياهل العقول
ِلنّ من حب نفسه يكرهه صاحبه
ويضللي كما الشيطان ماله رفيق

فمن أوحى لملاسي بمثل هذا ؟ ! أليست هذه مفردات يعرفها كل أحد ؟! لكن هل من الممكن لأي شخص أن يصوغها ويخرجها لنا كهذا الإخراج البديع ؟! إنها حكمة الله بلا أدنى شك أراد أن يظهر بها تميز شخص عن شخص لتتجلى بذلك قدرته جل جلاله فيتوقف عندها الإنسان مشدوها معترفا بعجزه مهما كان مقتدرا .

أنعم الله سبحانه على بعض خلقه بنعم لم يعطها آخرين ومن بينها نعمة ( قرض الشعر ) فكثير ممن لم يعط هذه النعمة ليس بكاره لما يقوله الشعراء أو بعضهم بل قد تجد من بينهم من يحب الشعر ويتلذذ بترديده ويتمنى لوأنّه يستطيع قول بيت واحد يعبر به عما يختلج في نفسه من مشاعر متباينة في كثير من المواقف فكيف به لو أُعطى الملَكة وأظهر ما كَمُن وقبل ذلك وبعده تم تخليد ذكراه بما يقول ….. إذا….. فقرض الشعر نعمة كباقي النعم قد ترفع صاحبها وقد تهوى به في مكان سحيق .

قصيدة وربما بيت من قصيدة ينطوي على ( مَثَل ) أو ( حكمة ) ينشر اسم القائل ويذيع صيته بل ويحفظ له اسمه بعد موته حتى عند من لا يعرفه .

فملاسي مثلا رجل أمي مغمور فقير لكنه غني بالذكر عند الملأ والسبب مقولته المشهورة ( من رضي ما غبن ) و ( كلا برشده يعيش ) حيث جعلت منه أسطورة تتردد ذكراها بين القبائل وتتداولها الألسن جيلا بعد جيل مترحمة عليه رغم أن أغلب أصحابها لا يعرفونه بل وأكثر من ذلك فقد دفعت بمعجب مثلي إلى البحث عن موروثه الشعري وتدوينه وإظهاره ليس ليزيده شهرة على شهرته فهوغني عن كل ذلك لكنّه تدبير من الله لكي يترحم عليه كثير ممّن يمرعلى ذكراه بعد أن طويت صفحته وانقطع عمله ! فكم هم المحضوضون من أمثاله ياترى ؟!

أعطى محمد ملاسي أو( ابن جهاد ) قدرة فائقة على نظم شعر ( الحكمة ) و ( تخليد الأحداث ) و (نقل صور الماضي وترسيخها ) من دون تقنية أو تدريب أو تعلم أوشهادة فنال من الشهرة ما لم ينله كثير ممن حظي بكل ذلك وحرم من نعمة قرض الشعر أو رسم لوحات بمفرداته خالدة .

الملاسي يقل فكّرت ياهل العقول
ِلنّ من حب نفسه يكرهه صاحبه
ويضللي كما الشيطان ماله رفيق

فمن أوحى لملاسي بمثل هذا ؟ ! أليست هذه مفردات يعرفها كل أحد ؟! لكن هل من الممكن لأي شخص أن يصوغها ويخرجها لنا كهذا الإخراج البديع ؟! إنها حكمة الله بلا أدنى شك أراد أن يظهر بها تميز شخص عن شخص لتتجلى بذلك قدرته جل جلاله فيتوقف عندها الإنسان مشدوها معترفا بعجزه مهما كان مقتدرا .

ولد محمد بن أحمد جهاد والمشهور ( بملاسي ) في العام 1333 هـ في قرية العبالة إحدى قرى وادي العلي بمنطقة الباحة ونشأ أمّيا مزارعا يكافح كغيره من أجل لقمة العيش ، وقد كانت الأجواء المحيطة به داخل الوادي أجواء شعراء مرموقين لايقبلون بينهم من لم يكن قادرا على مجاراتهم ( عبد الله الزبير ، سعد بن عبد الرحمن ، علي طويش ، علي دغسان ) وغيرهم من فحول الشعراء ، ولو لم يكن ملاسي من النوابغ لتاهت به الخطى وتعثر في سيره بمحاذاتهم فإما أن تزل قدمه فيهوي إلى القاع وإمّا أن تتسمر في مكانها فلا يتقدم ولا يتأخر , ولم تكن لتشفع له صلة القرابة التي تربطه بابن أخته دغسان لنيل شرف المكانة التي تمتع بها نتيجة لقوة شاعريته فالشرف هنا يكتسب بالجد ومقارعة الأنداد وليس بالمودة في القربى والتستر خلف أقنعة الوهم ومنخال الوقاية من شمس الظهيرة .
شق محمد ملاسي طريقه في الشعر بين أمواج عاتية يقود فيها قاربه بحكمة ومهارة أفضت به في نهاية المطاف إلى الجانب الآخر من ضفة النهر متقلدا وشاح العبور من الدرجة الأولى مع أنه ليس بشاعر (عرضة ) في الغالب وهذا لايعيبه فالمجالسي أكثر صعوبة في بعض الأحيان مما يظنه الآخرون فعلى الرغم من أنّه أقل جمهورا إلا أنّه أعمق نقدا وأوسع رحابة في توضيح عيوب الشاعر وإظهارعدم تمكنه من مجاراة من يبادله مقارعة البيان وخاصة عندما تكون الحلبة التي تجمعه بخصمه تعجّ بعدد من متذوقي الشعر وناقديه كالتي تعودت جمع ملاسي بدغسان وما أكثر ما اجتمع الاثنان في هكذا ظروف .


قبل وفاة محمد ملاسي بشهرين فقط وبالتحديد في 3 /10 /1385هـ حضر حفل زواج الشيخ يحي بن سعيد العفاس من قرية الحلّة وكانت العروس ( أم محمد ) من قرية محضرة وأهالي محضرة شركاء لأهل وادي العلي في وادي يسمى ( فلاحة ) والشراكة لا تخلو في العادة من المشاكل فلما بدأت العرضة استفتح ملاسي المحفل بهذه الحدوّة :

مرحبا بك ياشريكا نحبّه * * * مثل حب المصطفى في عمر
ــــــــــــــــــــــــــــ
عند من يلقى رصاص أم حبّة * * * راس ريعا والمحاجي عمر

فانظروا إلى قدرته الفائقه في الجمع بين النقيضين، وبضدّها تتميز الأشياء !! ( ترحيب وتحذير ) ، ثم انظروا إلى شموخ هامته وعلو همّته , فشموخ هامته يتمثل في حديثه باسم أهالي الوادي رغم أنّه لم يكن مخولا بالحديث عنهم فهناك من هو أحق منه بذلك ، أمّا علو همّته فيظهر من تحذيره الوارد في قوله ( عند من يلقى رصاص أم حبّة ) وقوله ( والمحاجي عمر ) فقد أوصل بذلك رسالة لم يعترض عليها أحد وهي أننا نرحب بكم أيها الشركاء ( ونحن هنا في مقام الترحيب ) أما في مقام الخلاف والتجاوز فليس لكم منا إلا ( المحاجي والرصاص ) .

هكذا هو محمد ملاسي عند من عرفه ،عزيزة عليه نفسه ، شاهقة الارتفاع هِمَّته ، صعبة المنال آماله ، عصية السبر تطلعاته ، بحقه ينطبق قول الشاعر:

إذا غامرت في شرف مروم * * * فلا تقنع بما دون النجوم

وهو ما أتعبه واستنزف جهده فوفّق أحيانا ولم يوفق في أحيان كثيرة ولذا جاءت كلماته معبرة صادقة شأنها شأن كلمات المتنبي التي نبعت من قلب مفعم بالآلام، وكاهل مثقل بالهموم…..فهو المنشد وقد استبطأً تبدل الأحوال وضاق به رحب الأفق……….

متى تفيّق وترضى يا ملاسي متى ؟!
ومتى بعد ينتهي ذا الشر ومتى نطيب ؟
. . . إلى أن يقول :
وعلّتي ما يجي الدكتور بدوايها .

لن أفسد عليكم متعة تذوق مفردات ديوانه بكثرة ثرثرتي فدونكم ما أنتم عنه باحثون :

القصيدة الأولى

يقل محمد ملاسي يارقيب ويا عتيد
جعلكم الله في الدنيا كِراماً كاتبين
بقدرة الله جميع أعمالنا تحصونها
الحسنه يوم نعملها بعشر أمثالها
والسيِّه لا تاب راعيها كِتب غفرانها

……. صدح ملاسي بهذا البدع و تركه فترة من الزمن من غير رد وكأنّه يختبر بذلك قدرة الآخرين على التصدي له والرد عليه فانتشر النّص بين الناس حتى تناهى إلى مسامع رئيس محكمة الباحة آنذاك وهو من متذوقي الشعر النبطي ويدعى ( ابن صقر ) وبالمناسبة فابن صقر هذا لا تربطه صلة بشيخ القبيلة المعروف؛ أقول أعجب به وسأل عن قائله فأخبر باسم الشاعر وقيل له بأنه من مرتادي سوق الخميس بالباحة فكلّف أحد الأخويا بالبحث عنه في السوق وإحضاره إلى المحكمة ، ولما هبط ملاسي إلى السوق محتزماً بجنبيَّته سأل عنه ( الخويّ ) حتى دُلّ عليه ، فسأله هل أنت محمد ملاسي ؟ فاجابه ملاسي : نعم . قال الخوي ، أنت مطلوب لدى رئيس المحكمة ، فبهت محمد ملاسي من هول المفاجأة وانعقد لسانه لكنّه لم يجد مفرّاً من إجابة الطلب ومرافقة الخوي إلى حيث يريد ، وفي الطريق إلى المحكمة بدأ يسائل نفسه . . . ما الذنب الذي اقترفته ياترى ؟! ومن ذا الذي ابتلاني وأوقع بي في هذا الصباح ؟! وكيف استدل عليّ الخوي من بين مرتادي السوق ؟ وما ردّة فعل الحسّاد إذا ما علموا بالأمر؟ ! وهل سأعود إلى أهلي ؟ ومتى ؟ و … و… و … ؟!

وصل صاحبنا إلى المحكمة ففوجئ بعدم طلب أحد منه ترك جنبيَّته خارج المبنى كما جرت به العادة فخفف ذلك من روعه ، ولما أُدخل على الشيخ واستقبله ببشاشة وطلب منه الجلوس هدأت نفسه ، فلما أمر له الشيخ بفنجال من القهوة تهللت أساريره وعندها تمت مساءلته عن القصيدة فذكر أنها له، فأبدى الشيخ إعجابه بها وطلب ردّها منه فأجابه ملاسي قائلا : لم أرد عليها حتى الآن وسأدع لك محاولة الرد عليها طالما انك من متذوقي الشعر يافضيلة الشيخ . . . فما كان من القاضي إلا أن ودّعه ممتنا له حضوره ومعتذرا منه عن التعطيل وعاد ملاسي أدراجه بعدها إلى السوق منتشيا وسط ذهول من شهد عملية استدعائه ومن أرشد إليه الخوي بادئ الأمر .

أشرنا في الحلقة الماضية إلى إعجاب رئيس المحكمة بقصيدة الشاعر محمد ملاسي فماسرّ ذلك ياترى ؟! ولماذا خصها هي بالذّات بإعجابه ؟ وهل كان حجم الإعجاب بالقدر الذي يستدعي جلب الشاعر بتلك الطريقة لمجرد التأكد من أنه هو القائل ؟!
والجواب : أن رئيس المحكمة بالطبع قاضي والقضاة تخصصهم في الأساس علوم شرعيّة بحته وبُنيَةِ القصيدة تناولت أمراًَ شرعياً صِِرفاً فكانت تتحدث عن الملكين المكلّفين بإحصاء أعمال العباد في الحياة الدنيا والذين ورد ذكرهما في قول الله تعالى في سورة ( ق ) ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) وقد خاطب الشاعر مجازاً هذين الملكين خطاب المؤمن الواثق من إيمانه فلم يوجه لهما سؤالا استنكاريا أو استفساريا عن طبيعة عملهما بل أكد على أنهما مسؤولان عن إحصاء أقوال وأفعال العباد في ( الحياة الدنيا ) كما أشارت إليه الآية ثم أتبع ذلك بوصفهما ب( كرام كاتبين ) مستوحيا ذلك من سورة أخرى في القرآن الكريم وهي سورة الانفطار ( وإن عليكم لحافظين ، كراما كاتبين ، يعلمون ماتفعلون ) وأضاف شيئا آخر وهو أن ( الحسنة تكتب لصاحبها إذا عملها بعشر أمثالها ) ودليله قول الله تعالى في سورة الأنعام ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) وقول النبي صلى الله عليه وسلّم عند البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما فيما يرويه عن ربه – عز وجل – قال: ” إن الله – عز وجل – كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، ثم هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة “.وأضاف مسلم حدثنا يحيى بن يحيى، ثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا (الحديث) بمعنى حديث عبد الوارث وزاد: ” ومحاها الله ولا يهلك على الله إلا هالك “. وحديث أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عفان، ثنا جعفر بن سليمان بهذا الإسناد قال: قال رسول الله : ” إن ربكم رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها كتب له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة، أو يمحوها الله،ولا يهلك على الله إلا هالك ” أ.هـ
أما التائب من الذنب فيقول ملاسي بحقه ( والسيّه لا تاب راعيها كتب غفرانها ) فما هو دليله على ذلك ؟
يقول الله تعالى في سورة الفرقان ( والذين لايدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما (68 ) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ( 69 ) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما
( 70 ) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا )فمن علّم ملاسي وهو الرجل الأميّ كل هذا ؟! أليس هذا مثار إعجاب يستدعي مقابلته والتعرّف عليه ؟! لقد كان القاضي محقا فيما فعل ولو كنت مكانه لفعلت ما فعله ولكن الأهم من ذلك معرفة أسباب هذا البدع الغريب العجيب وهل يحمل في طياته توريةَ لأمر ما والمعنى الحقيقي في بطن الشاعر كما يقول المثل المعروف ؟!

لقد كان بيت محمد ملاسي يحوي فناءً أمامه ليس له سورٌ يحميه ( لقلة ذات اليد ) وكان القادمون من خارج القرية لطحن حبوبهم لدى صاحب البابور الوحيد في الوادي العمّ صالح بن فرحة -رحمه الله- يربطون حميرهم في فناء منزل محمد ملاسي ظنا منهم بأن ذلك لايؤذيه فعمد في إحدى المرات لفكّ رباط بهائم أشخاص أتوا من قرية العطاردة وهي بالمناسبة ليست من قرى الوادي فعادت البهائم من حيث أتت دون علم أصحابها ومع أن ملاسي مشهور بالحكمة فقد جانبته الحكمة هذه المرّة وليس محقا فيما فعل مهما كان عذره خصوصا وأن أصحاب البهائم من قرية أجنبية لهم ولبهائمهم حق الحماية كما تقضي به الأعراف القبليّة المتداولة آنذاك، فاشتكى أصحاب البهائم ملاسي لعريفة القرية وموامين الجماعة فأصدروا حكما تعزيرياً يقضي بأن يدفع المعني أربعين ريالا لصندوق الجماعة مع أن العامل وقتئذٍ يتقاضى ريالين ونصف الريال عن كل يوم عمل يمتد من وقت طلوع الشمس إلى وقت غروبها لكن هذه هي الأحكام القبليّة التي في حال صدرت أصبحت قطعية واجبة النّفاذ وليس هناك مجال لاستئنافها .

شَعُرَ محمد ملاسي بأن الحكم مجحف بحقه ومع ذلك لم يكن له مفرٌ من تنفيذه فأنشأ هذا البدع الذي هرب فيه من مخاطبة بني البشر وخاطب الملائكة على سبيل التورية وكأني به يقول ( يا أبناء جنسي انظروا إلى الملائكة يحصون الحسنات والسيئات فما بالكم أنتم لاتحصون إلا السيئات فقط ؟! ثم إن الحسنة عند الملائكة ومن أرسل الملائكة بعشر أمثالها والسيئة لا تكتب إلا واحدة وفي حال أقلع صاحبها وتاب كتب له الغفران فلماذا أنتم تتناسون حسنات المخطئ ولا تغفرون ذنبه وتتجاوزون عنه طالما اعترف وأقلع عن زَلّته ) .

هكذا كان محمد ملاسي شديد البأس قوي الشكيمة عزيز النفس لا يقبل الخنوع والاستجداء رغم فقره وقلة حيلته فقد دفع الأربعين ريالا وخاطب الملائكة مستعيضا بهم عن بني جنسه .

أما الرد على القصيدة فلم ينبر له أحد من شعراء الوادي المتواجدين على قيد الحياة في ذلك الحين وخاصة دغسان ( عريفة القرية ) فلديه من الفطنة ما يجعله ينأى بنفسه عن جدل لاخاسر فيه ولا منتصر لكنّه مع ذلك بقي يراقب الموقف عن بعد ويترقّب رد ملاسي فلما استبطأ الرد بعث له برسالة شفهية بطريقة غير مباشرة على لسان شقيقي ( علي ) والذي كان وقتها يعمل مع مجموعة من شباب القرية لدى محمد ملاسي في قطع ( ربض ) لجدار الفناء الذي قرر الشاعر بناءه بعد جرح الأربعين حيث امتنع الأخ (علي ) عن مزاولة عمله في صبيحة يوم من أيام العمل قارس البرد شديد القرّ كوسيلة ضغط على ملاسي حتى يرد على القصيدة فقال له ملاسي وهم متحلّقين من شدة البرد حول ( الصلل ) قبل طلوع الشمس ( لا لا وأنا عمك أنا أعرف ذا يحرّشونك لا توقف شغلك، هات ورقة وقلم واكتب الرد ).

الردّ

القلب لا عاد يعيا علم طيب ياعت ايد
وان كان قدّامعيني ما انكر الأنكات بين كم واحداً ولّع الفتنه ومات حصونها
من حكمته جنّب الصاحب وعشرم ثالها والبرّ موجود ما حد قال من غفرانهى

معاني الكلمات :
1) يعيا ـ يفقه أو يدرك
2) قدّام ـ أمام
3) الأنكات ـ من التنّكيت أي غير الجآدّ
4) ولّع ـ أشعل
5) حصونها ـ لهبَها
6) جنّب ـ أبعد
7) عشرم ـ الأشرم مقطوع الشّفه
8) ثالها ـ نَشَرَها
9) غُفرا ـ إسم مكان مشهور بإنتاج البُرّ
10) نَهى ـ إنتهى

الشّرح :
لم يخرج الشاعر حتى في رده على القصيدة عن موضوع العقوبة التي صدرت بحقه وذاك يشير إلى أمرين :
أ ) مرارة المعاناة التي تجرّعها جرّاء العقوبة الصادرة بحقه وعدم قدرته على تناسيها رغم الوقت الطويل الذي أشرنا إلى أنه مرّ بين بدعه القصيدة ورده عليها .
ب) قمّة الإبداع الشعري لدى الشاعر وقدرته على تطويع المفردات واستخدامها للطرق على الموضوع ذاته مرتين ( في البدع والرد ) وذلك من غير تكرار ممل فماذا يقول …..؟
يقول على سبيل الإخبَار عن القلب أنه إذا وعى أمرا ما فإن اليَدَ تابعة له تعي ما يعي وتُنفِّذ ما يأمر به
( إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر ) وهذه دِقّة في التعبير أشار من خلالها إلى علاقة القلب بأعمال الجوارح وهو مايوافق قول الله تعالى ( لهم قلوب لايفقهون بها ) فالقلب ليس مضخة للدم فقط كما يشير إلى ذلك كثير من الأطباء بل إن له سُلطة على أعمال الجوارح وهناك العديد من الأدلّة ليس هنا مكان إيرادها .

نعود إلى مقصد الشاعر الذي ورّا ( من التورية ) فيه عن السلطة القضائية التي أصدرت الحكم عليه ( بالقلب ) وعن السلطة التنفيذية ( باليد ) فقال ـ القلب لاعاد يعيا علم طيِّب ياعت ايد ـ وجاء بكلمة ( طيِّب ) ولم يأت بغيرها،مع أن في وسعه أن يقول( صاحي ، صادق ، واكد ، جيّد …. الخ ) لكنّه قصد الكلمة بعينها …. لو كنتم طيبين ونويتم الطيب لم يأت حكمكم عليّ بهذه القسوة، أما في البيت الثاني ( وإن كان قدام عيني ما انكر الأنكات بين ) يقول وقع الجدل والنقاش على مرأى ومسمع مني وأنا القادرعلى تمييزالهزل من الجِدّ والصدق من الكذب ومن كان منكم معي ومن كان ضدي فكل ذلك واضح بيِّن .
في البيت الثالث صرّح بأن فيهم من يشعل نار الفتنة وهو القادر إذا نوى أن يطفئ لهبها الذي شبَّه علوه وارتفاعه بارتفاع الحصون ( جمع حصن ) وعلى سبيل التهكم يقول في البيت الرابع أن من حكمة مشعل نار الفتنة تجاهل الصاحب وعدم الوقوف إلى جانبه حتى أصبحت تلوكه الألسن ومنها لسان الأشرم الذي لا يُفهم كلامه، وعلى الرغم من كل حجم التشاؤم لدى الشاعر وعدم ثقته فيمن حوله كما هو واضح من سياق القصيدة إلا أنه ختمها ببيت فيه من التفاؤل الشئ الكثير حيث أشار إلى أنه لم يفقد الأمل وأن الخير لم ينقطع فقال ( والبر موجود ما حد قال من غفرا نهى )

* ملاسي والغبن *

يقل محمد ملاسي من رضي ما غبن

هذا مطلع لقصيدة من أربعة أبيات فقط تغنى بها الركبان وذاع صيتها فبلغ الآفاق تقوم على ركيزتين أساسيتين ( من رضي ماغبن ) و ( كلا برشده يعيش ) اختصار لمجلدات من الإسهاب بطلها أمّي تخرّج من معترك أكاديمية الحياة فعلّق شهادة سارية المفعول لم تنته صلاحيتها بتقاعد صاحبها من الدنيا بأسرها، إنه محمد ملاسي فأي غبن تركه ؟! وأي غبن قصده في قصيدته ذائعة الصّيت ؟!

جاء في معجم لسان العرب لابن منظور عن الغبن :

الغَبْنُ، بالتسكين، في البيع، والغَبَنُ، بالتحريك، في الرأْي، وغَبِنْتَ رأْيَك أَي نَسِيته وضَيَّعْته. غَبِنَ الشيءَ وغَبِنَ فيه غَبْناً وغَبَناً: نسيه وأَغفله وجهله؛ أَنشد ابن الأَعرابي:

غَبِنْتُمْ تَتابُعَ آلائِنـــــــــــــا * * * وحُسْنَ الجِوارِ، وقُرْبَ النَّسَب.

والغَبْنُ: النِّسيان. غَبِنْتُ كذا من حقي عند فلان أَي نسيته وغَلِطْتُ فيه.

وغَبَنَ الرجلَ يَغْبِنُه غَبْناً: مَرَّ به وهو مائلٌ فلم يره ولم يَفْطُنْ له.

والغَبْنُ: ضعف الرأْي، يقال في رأْيه غَبْنٌ. وغَبِنَ رَأْيَه( بالكسر) إذا نُقِصَه، فهو غَبِين أَي ضعيف الرأْي، وفيه غَبانَة أي: ضَعُف .

والغابِنُ: الفاتِرُ عن العمل.

والتَّغَابُن: أَن يَغْبِنَ القومُ بعضهم بعضاً، و من ذلك، يوم التَّغَابُن أي: يوم البعث وسئل الحسن عن قوله تعالى: ذلك يومُ التَّغابُنِ؛ فقال: غَبَنَ أَهلُ الجنة أَهلَ النار أَي اسْتَنْقَصُوا عقولَهم باختيارهم الكفر على الإِيمان. ونَظَر الحَسَنُ إلى رجل غَبَنَ آخر في بيع فقال: إن هذا يَغْبِنُ عقلَك أَي يَنْقُصه.

والغَبْنُ في البيع والشراء: الوَكْسُ، غَبَنَه يَغْبِنُه غَبْناً أَي خدَعه، وقد غُبِنَ فهو مَغْبُونٌ .

وجاء في فتوى للشيخ صالح الفوزان :

فإذا غبن في البيع غبنا يخرج عن العادة ؛ فيخير المغبون منهما بين الإمساك والرد ؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم – : لا ضرر ولا ضرار ولقوله – صلى الله عليه وسلم – : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه والمغبون لم تطب نفسه بالغبن ، فإن كان الغبن يسيرا قد جرت به العادة فلا خيار .

وخيار الغبن يثبت في ثلاث صور :

الصورة الأولى من صور خيار الغبن : تلقي الركبان ، والمراد بهم القادمون لجلب سلعهم في البلد ، فإذا تلقاهم ، واشترى منهم ، وتبين أنه قد غبنهم غبنا فاحشا ؛ فلهم الخيار ، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : لا تلقوا الجلب ، فمن تلقاه فاشترى منه ، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار رواه مسلم ؛ فنهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب خارج السوق الذي تباع فيه السلع ، وأمر أنه إذا أتى البائع السوق الذي تعرف فيه قيم السلع ، وعرف ذلك فهو بالخيار بين أن يمضي البيع أو يفسخ .

الصورة الثانية من صور خيار الغبن : الغبن الذي يكون سببه زيادة الناجش في ثمن السلعة ، والناجش : هو الذي يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها ، وإنما يريد رفع ثمنها على المشتري ، وهذا عمل محرم ، قد نهى عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله : ولا تناجشوا لما في ذلك من تغرير المشتري وخديعته ، فهو في معنى الغش .

ومن صور النجش المحرم أن يقول صاحب السلعة : أعطيت بها كذا وكذا وهو كاذب ، أو يقول : اشتريتها بكذا وهو كاذب أو أن يقول : لا أبيعها إلا بكذا أو كذا ، لأجل أن يأخذها المشتري بقريب مما قال .

الصورة الثالثة من صور الغبن الذي يثبت به الخيار : غبن المسترسل، قال الإمام ابن القيم : ” وفي الحديث : غبن المسترسل ربا والمسترسل : هو الذي يجهل القيمة ولا يحسن أن يناقص في الثمن ، بل يعتمد على صدق البائع لسلامة سريرته ، فإذا غبن غبنا فاحشا ؛ ثبت له الخيار ” والغبن محرم ؛ لما فيه من التغرير للمشتري، إنتهى .

إذا فأي أنواع الغبن قصد ملاسي بقوله ( من رضي ما غبن ) ؟!

يقــل محــمد ملاسـي من رضي ما غبن
لا تعــذلون العــرب كــلاً برشـــده يعيـش

من الواضح أنه قصد ( الخديعة ) وهو يحوم حول الغبن اليسير غير الفاحش سواء أكان في التعاملات المالية أو غيرها وإلا فإن الغبن الجائر لايرتضيه هو ولاغيره وهو مايوافق القاعدة التي تنص على ( أن الغبن إذا كان يسيرا قد جرت به العادة فلا خيار ) وطالما أن الإنسان هنا قد اتخذ قراره بنفسه وبرضى منه والرضى سيد الأحكام إذا فلم يلومه الآخرون و يعذلونه ؟! أليس من حقه العيش وفق تفكيره وفهمه للأمور ؟! ( وكلا برشده يعيش ).



في البيتين ألأخيرين من رباعية ملاسي هذه يضرب مثلا من الواقع البيئي الذي عاش فيه ليؤكد على صحة توجهه فيقول :

مشيت في الأرض ماشي مثل حـزن الصدر
تطـــلـع فــواكـه و فـيـدتـها لغـيـر أهلـــها

فما علاقة حزن الصدر بالرضى والغبن ؟!

( حزن الصدر ) قرية صغيرة تقع في منتصف سلسلة جبال السروات المطلة على سهول تهامة وتشتهر بإنتاج الفواكه وخاصة ( الموز ) الذي قرر أصحابه تسويقه للآخرين رغم حاجتهم إليه ومع ذلك لم يعذلهم أو يلمهم أحد فكأن ملاسي بهذا يصوغ سؤالا استنكاريا لمن يعذل الناس على قراراتهم مفاده أليس لكم فيما يقوم به أصحاب تلك القرية مثالا حيا على حريّة الرّأي والجرأة على اتخاذ القرار ؟

اما في الرد فقد جاء ملاسي بما يغاير البدع من حيث البيئة فمن ( حزن الصدر ) إلى أم القرى وتحديدا ( شارع المدعى ) واستبدل حديثه عن الرضى والغبن في البدع بالحديث عن الحزن وجند الشيطان في الرد فماذا يقول :

فـي شــارع المـدعــى لامـرّ ضي ما غبن
يعـيونه الحضر واللي فالبر أشده يعي ايش
وكل محزون يبقى سد حُزْنََه صَدَرْ

يـا كـم قـلـوبـاً عـيال إبليس غـيـره لـهــا

معاني الكلمات ـ

لامرّ : لاـ تأتي هنا بمعنى إذا؛ مرّ ـ تعدى وتجاوز
ضئ : ضوء مُشِعّ
ماغًبِن : عكس لم يُرَ أو لم يُفطن له
يعيونه : يشاهدونه
فالبر : أي من يعيش في البراري ويسكن بها ( كناية عن البدو الرّحل )
أشَــدَهَ : فلان شده شدها ويقال شُدِهَ : دُهش بالأمر وتحير، وأشْدَهَهُ : أدهشه
يعي أيش : استفهام استنكاري جاءت فيه أداة الاستفهام متأخرة بمعنى ماذا يعي ( إيش يعي ) أو ماذا يدرك ؟
حــزن : اغتم وانكسر، والحزن نقيض الفرح .
ما صيّرت : ما اطلعت .
الصدر : جمع صَدرَ ـ ما بين بطن الإنسان وترقوته .
عيال إبليس : جنود إبليس .
غيره لها : هدف لغاراتها .

بما أن ملاسي كان يتردد على مكة المكرمة كثيرا للبحث عن لقمة العيش ونظرا لأنه لم يكن محترفا مهنة يدوية فقد كان يعمل في تحميل البضائع ولهذا كان جُلّ تمركزه في شارع المدّعى، الشارع الحيويّ القريب من الحرم والذي كان يعج بالمتسوقين والتجار ومن أجل ذلك فهو الخبير بدقائق أمور ذلك الشارع وخفاياه وما يدور فيه فماذا يقول عنه ؟.

يقول عندما يمر ( ضوء ) في ( المدعى ) الشارع الذي يعج بالساكنين والتجار من أهل مكة ( والضوء هنا ربما كان على سبيل الحقيقة أو كان كناية عن الجميلة من النساء ) فإنه بالتأكيد لن يخفى على أهله والقاطنين فيه بعكس من جاء إليه من البادية الذين لم تتعود أبصارهم على الأضواء فتدهشهم وتبهرهم ويعشون بها .

وفي هذين البيتين وطّد لما يريد الوصول إليه في البيتين الأخيرين من القصيدة حيث يقول ( ياكل محزون ما صيّرت حزن الصدر ) فقد نادى على كل من يدّعي الحزن قائلا : هل اطلعت على أحزان الآخرين التي يحملونها في صدورهم ؟ وهل قارنتها بحزنك لتعلم أن هناك من يحمل في أعماقه أضعاف ماتحمله، سؤال استنكاري تهكمي آخر في القصيدة، جوابه معروف مسبقا ، إذا والخطاب موجه لمدعي الحزن إنما مَثَلُكَ كمثل بدوي دخل المُدَّعي فتاه بصره في خِضَمِّ الأنوار ولم يعيَ شيئا ، ثم يوجه له النصح في البيت الأخير قائلا كم من القلوب هدفا لغارات الشيطان وجنده فاحذر أن يكون قلبك من بين تلك القلوب .
  
   

منجى الدخيل

يقل محمد ملاسي وين منجى الدخيل
فاروق غادر وربي حوله من مصر
وولوا المحكمه بعده محمد نجيب
ضم أهل الاعقار واشرك من فدادينهم
كل معه عند نهر النيل مزرع وبيت
وقاهرة مصر ما نسمع تهاويلها

الدّخيل : هو من ارتكب جنحة فاضطر لمغادرة عشيرته واللجوء إلى قبيلة أو عشيرة أخرى سواء برغبة منه أو أنه اجبر على ذلك.

والدّخيل في ظاهر قصيدة ملاسي هو الملك فاروق الذي أجبر على مغادرة بلاده بعد أن اطاحت به وبالملكيّة بأسرها ثورة الضباط الأحرار عام 1952م وفي هذا تورية من الشاعر فهو يقصد أمرا آخر لاعلاقة له بمصر وعاصمتها ولا حتى باشتراكيتها ، والقصيدة واضحة المعاني لا تحتاج إلى شرح أو تعليق قد يفسد جمالها .

الرد

قبل المواتر يجي للناس من جِدّه خيل
ما جابها إلا الدراهم والذهب من مصر
والا دعينا لدينك يا محمد نجيب
والعشرة ذا يحبونه فدا دينهم
واما انت يا ابو جهل جتك النصايح وابيت
والروح ذا ما تداري المنتهى ويلها

معاني الكلمات :

المواتر : جمع ـ موتر ـ وهي كلمة يطلقها العامة على السيارات .
من مصر : يقصد بها هنا العملة المصرورة من ( صرَّ ، يَصُرُّ فهو مصروراً ) أي المحفوظة سواء أكانت ورقيِّة كالدراهم أو معدنية كالذهب .
دُعينا : أي إذا تم طلبنا لقربة من قربات الله كالحج والعمرة والجهاد وما إلى ذلك فإننا نبادر بالإستجابة وتلبية النّداء لأن ( نا ) هنا ضمير للمتكلمين وهم مسلمون بالفطرة ، إذا فالمعنى ليس كما يضنه البعض أنا إذا دعينا للدخول في دين الأسلام نستجيب .
العشرة : يشير إلى العشرة المبشرين بالجنة .
فدا دينهم : أي افتدى دينهم ، والمقصد أنهم تركوا ملَّة الشرك ودخلوا في دين محمد صلى الله عليه وسلّم .
أبو جهل : عمرو بن هشام (ابو الحكم) خال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن أشد اعداء الرسول صلى الله عليه وسلم والذي أبى الدّخول في دينه .
تداري المنتهى : تداري العاقبة والحساب .

ألم اقل لكم إن في كلام الشاعر تورية في بدعه وردّه ! إنه يشير إلى إنتقال ( مشيخة القبيلة ) من مكان إلى آخر وتأييد الشاعر لذلك الإنتقال فمن أحشاء تلك الحقبة الزمنية البائدة تولدت هذه القصيدة الرمز .

مصدر الجمال في نظر محمد ملاسي }

تزوج ملاسي امرأة جميلة من قرية تقع إلى الشرق، فأسَرَ جمالُها عقله لكن زواجه منها لم يدم طويلا لأن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن وقد ندم الشاعر على فراق زوجته أيما ندم حتى أحس به كثيرون ممن حوله من بينهم رفيق دربه دغسان الذي استغل زيارة للشيخ ( سعيد بن صقر ) لوادي العلي والتي طالما تردد عليها للاستمتاع بمساجلات الشاعرين وقفشاتهما فَبَدَعَ أي ـ دغسان بدعا رَحِّب فيه بالشيخ واستحث ملاسي من خلال ذلك البدع على تخليد ذكرى فقدان زوجته فقال :

حيا الله شيخا معه ظَنّه وراموسا { 1}
وينجد اللي يدور منه نجدية { 2 }
مثيل نوُّ(ن) غزيرا تاع منشأ ماء { 3 }
يحج ولد الملك ويحج وزياره { 4 }

معاني الكلمات :

( 1 ) ظنّه – أي ( تخمين )والمعنى أن ظنّه في الناس لايخيب وهو كناية عن قوة الفراسة والشيخ هنا يقصد به الشيخ سعيد بن صقر ( رحمه الله ) ، والراموس – يقال فلان يُرَمِّسُ الشئ أي يُميِّزه .
( 2 ) ينجد – يسعف ، والمقصود أن الشيخ لا يتخلّى عن طالب النجدة منه سواء أكانت مالا أو غير ذلك .
( 3 ) مَثَيل – تصغير مِثل ، نوّ(ن) أي سحاب ، تاع – ناض أو أقبل ، منشأ – مصدر ، والمقصود أن الشيخ في جوده وكرمه يشبه السحاب الذي يحمل غيثاً منشأه ( البحار والمحيطات ).ً
( 4 ) يحج – أي يحاجّ من المحاججة ، وزياره – أي وزرائه والمعنى أن الشيخ قوي الحجة وبإمكانه محاجّة ابن الملك والوزراء.

( الرد – من ملاسي )

ما جا نبيٍّ(ن) من المشرق ورا موسى { 1 }
إلا رياحٍٍ(ن) تهبَّ بها ونجديّه { 2 }
والانبيا ما يجونا غير من شاما { 3 }
أرض(ن) نظيفة وفيها حج وزيارة {4 }

معاني الكلمات :

( 1- 2 ) ورى – أي بعد ، ومع أن موسى -عليه السلام- لم يأت من المشرق وإنما جاء من فلسطين وفلسطين ليست شرق المملكة كما أنه أي ( موسى ) أرسل إلى فرعون وقومه في مصر ومصر تقع غرب المملكة فإن هذه لم تكن سقطة من ملاسي رحمه الله لكنه اضطرّ لقول ذلك عندما قيده دغسان في البيت الأول ( بموسى ) وفي البيت الثاني بالنجديّة، وهي الرياح التي لا تأتي إلا من جهة المشرق ( من نجد ) ولا تحمل أمطاراً في العادة لكنَّ دغسان كان ببدعه ذاك ينصب فخا لملاسي ويستدرجه ليأتي على ذكر موضوع زوجتة التي اشرنا إلى أنها قادمة من جهة المشرق .

( 3 ) من شا ما – أي من الشام ويقصد بها هنا فلسطين لأنها أرض الأنبياء
( 4 ) الحج والزيارة معروفة أماكنها لكنه هنا قصد ( بيت المقدس ) بعينه كونه احد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها .

قول الشاعر ( الأنبيا ما يجونا غير من شاما ) يوضح مدى قناعتة بأن الجمال موطنه الحقيقي بلاد الشام ( سوريا،ولبنان، وفلسطين ) وأن مجيئه هذه المرّة من المشرق يعد خرقا للعادة لأنه اكّد ـ أي الشاعر ـ أنه لم يره هو أو غيره بعد ذلك قادما من تلك الجهة { ما جا نبي (ن) من المشرق ورى موسى } ولعلّ الصواب جانب ملاسي فيما ذهب إليه لكنّه لا يلام فهو عاشق مكلوم يرى محبوبته بغير العين التي يراها بها الآخرون وقد سبقه إلى هذا الأمر قيس بن الملوّح حيث سأله رجل عن سبب حبه لليلى مع أنها لاتملك من الجمال مايجعله يهيم بها فرد عليه قائلا إذا رأيتها بعيني علمت سبب عشقي لها، ثم أنشد :

إليكَ عَنِّيَ إنِّي هائِمٌ وَصِبٌ **** أمَا تَرَى الْجِسْمَ قد أودَى به الْعَطَبُ
لِلّه قلبِيَ ماذا قد أُتِيحَ له **** حر الصبابة والأوجاع والوصب
ضاقت علي بلاد الله ما رحبت **** ياللرجال فهل في الأرض مضطرب
البين يؤلمني والشوق يجرحني **** والدار نازحة والشمل منشعب
كيف السَّبيلُ إلى ليلى وقد حُجِبَتْ **** عَهْدي بها زَمَناً ما دُونَهَا حُجُبُ

فهل يلام ملاسي على أن رأى البقعة التي جاءت منها معشوقته بالعين التي يرى بها الناس أرض الأنبياء ؟! أنا شخصيا لا الومه. ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد كان في إحدى عينيه حولٌ عُيّر به ذات مرة فقيل له ( اندر ياشتيح اندر ) فدوّنها ملاسي في ذاكرة الزمن بقصيدة خالدة نقش حروفها على حناجر رعاة الماشية كثرة ترديدهم لها في غدّوهم والرواح كما يتضح لكم من قِصَّة هذه القصيدة أدناه :


يا شتيح اندر

ألقت الحرب العالمية الثانية بظلالها على معظم الدول العربية ومن بينها المملكة حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية آنذاك وقل تواجدها في الأسواق ودخل الفقر معظم البيوت إن لم نقل كلها . . هذا في المدن فكيف الحال بالقرى النائية التي لم تكن تصل إليها السيارات لعدم وجود الطرق وإنعدام وسائل المواصلات إلا ما ندر، والدولة السعودية في تلك ألآونة لم تلتقط أنفاسها بعد فهي في طور البناء وما زالت تتعامل بالريال الفرنسي إلى جانب عملتها المحلية حيث لم يكن الريال السعودي قد غطى كل مناطق المملكة، ومما زاد من معاناة الناس شح الأمطار في كثير من أجزاء البلاد وخصوصا المنطقة الجنوبية التي جفَّت ارضها وقلَّت مؤن سكانها فأصبحت لقمة العيش فيها صعبة المنال عسيرة المآل، فنتج عن تلك الأجواء المفعمة بالمآسي ارتفاع سعر المُدَّ من القمح إلى أربعة ريالات فرنسيه (أي ما يعادل مائة وستين ريالا عربيا ) حتى سُمّي ذلك العصر ب( عصر سعر ربع ) والمدُّ لمن لا يعرفه ( أداة من أدوات الكيل يعادل وزن محتواه بضعة كيلو جرامات فقط )

في تلك الظروف العصيبة كان الرجل ذو المنعة والقوة غير قادر على توفير قوت أبنائه ليوم أو يومين فكيف له أن يستقبل أحدا في بيته ويقوم بتقديم واجب الضيافة له ؟!
وهذا ما دعى دغسان رحمه الله لتدوين تهرب الناس من ضيافة بعضهم البعض في تلك الحقبة فقال :-

ماعاد ودي نضيًف حد ولا ودي نِضيْف
ماعد فالاسواق يوجد لا دهان ولا تمر
والبن ماعد يباع إلا ريال الرابعه
عليّ ع اهل السخا وعن الرجال المستحين
كلافــة الضيــف معــدومة وكيــف نقـل بهــا

ولهذا لم يكن للناس إلا تقاسم ما هو متوفر لديهم ليعيشوا يومهم . ويوكِلون أمر غدهم إلى الله .
هكذا كانت الحالة السائدة في معظم القرى ولأن وادي العلي لم تكن قراه في معزل عن قرى الآخرين ولم تكن الظروف تختلف كثيرا من مكان إلى آخر فالفقر عامّاً وضرب بأطنابه في كل بيت لذا فقد كان السؤال :-

من للمسكين والأرملة ؟
ماذا بوسع الفقير أن يفعل إذا كان ميسور الحال لا يجد ما يسد به رمقه ورمق أبنائه ؟
كيف يمكن لامرأة فقدت زوجها أثناء تلك الظروف أو قبلها بقليل أن توفر لزغب الحواصل ماء أو شجرا ؟!

كانت بالفعل مأساة لم يشعر بمرارتها إلا من اكتوى بنارها أو بنار مثيلاتها فالنار على رأي المثل ( ما تحرق إلا رجل واطيها )

في خضم تلك الأمواج المتلاطمة والعواصف العاتية كان شبح مركب لأرملة مسكينة يطل بمقدمته بين الفينة والأخرى متلمسا طريقه بصعوبة بين الأمواج للبحث عن مؤنة تكفيها وأبنائها حتى يأتي الفرج الذي وعد الله به عباده الصابرين .

وفجأة لاح لتلك الأرملة في الأفق بارقة أمل لملمت قواها الخائرة لتدفع بمركبها المتهالك باتجاهه علّها تجد ضالتها لديه وكأني بلسان حالها يردد في تلك اللحظة ( الله كريم برق يلوح . .. اليوم أبا اغسل هالجروح ) لكن ذلك البارق لم يكن سوى سحابة صيف عابرة أو سرابا حسبته ماءً حتى إذا جاءته لم تجده شيئا .

الفرج ( السراب ) تمثل في مُزَارع جاء من قرية مجاورة إلى الوادي على دابته ليسوّق منتوج بلاده من (حُنْطة ) احتفظ بها قبل الكارثة بسنوات وكأنه تعلم من درس نبي الله يوسف لأهل مصر عندما قال لهم ( فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ) فأصبحت سلعة ذلك الرجل رائجة وبالثمن الذي يريد .
لكن ألم أقل لكم بأنه كان بالنسبة لتلك الأرملة سرابا ؟! فقد امتنع المزارع عن تزويدها بما تحتاجه لأنها لم تكن تمتلك الثمن ولم يكن هو يعرفها أو يتعامل معها من قبل فماذا ستفعل ؟ !

هل تدعه يذهب دون أن ينقذها وهي غرقى ترى بأم عينيها طوق النجاة متدليا بين يديه يقلِّبه كيف يشاء ؟ أم انها تتشبث به حتى وإن تكبدت في سبيل ذلك شتى أنواع المشاق ؟!

أُسقط في يد تلك المرأة العصاميِّة بعدأن رفض المزارع طلبها لكنها لم تستسلم ولم تكن لتدع أطفالها يتضورون جوعا وفيها رمق من حياة . . ولذا لم تيأس من روح الله وازدادت إصرارا على تحقيق ما تصبو إليه فأخذت تفاوض الرجل وتجادله حتى وافق على مضض أن يبيعها ما تحتاجه من مؤنة شريطة أن تحضر له كفيلا غارما معروفا لديه وتحدد له الفترة الزمنية التي يمكن أن تسدد خلالها ثمن ما تشتريه، فوافقت المسكينة على شرط الرجل ثم ذهبت على عجل غير مصدقة نفسها لتبحث عن كفيل غارم قبل أن يغادر البائع القرية فتفقد ما بقى لها ولأبنائها من أمل ، لكنها اصطدمت بشي آخر لم يدر بخلدها إلا بعد أن أعطت لساقيها العنان في طرقات القرية الضيقة والتي خلت من المارة وهي تجوبها على غير هدى إذ قفز إلى ذهنها سؤال منطقي . .يقول . . من سيكفل أرملة لا حول لها ولا قوة ؟ من سَيَمُد لها يد العون من جيرانها وهم انفسهم لا يملكون لأنفسهم نفعا وليست أحوالهم بأحسن من حالها ؟! . .

تزاحمت الأفكار في ذهنها وتواردت عليها الخواطر من كل حدب وصوب ومع ذلك لم يسعفها أيٌّ من تلك الخواطر والافكار بإسم الشخص القادر على السداد عنها في حال حان وقت الدفع ولم تستطع الوفاء بما هو مطلوب منها . . مضت في طريقها بين البيوت تقلب أفكارها ذات اليمين وذات الشمال ولم يخطر ببالها اسم محمد ملاسي لأداء ذلك الدور الذي تنشده مع أنه نسيب زوجها ورجل يعرفه البعيد قبل القريب بحكم شهرته وذلك لأنها أعرف الناس بأحوال محمد ملاسي المادية والتي لم تكن تؤهله لكفالتها أو دفع قيمة ما تشتريه . . لكن لعل قدرها وقدره ساقاها إليه فلم تشعر بنفسها إلا وهي واقفة ببابه فلم يخذلها بحكم شهامتة ومروءته وانطلق معها إلى تاجر الحنطة الذي اتضح أنه ( أي التاجر ) على معرفة بملاسي فنالت ما كانت تصبو إليه .

عندما حان موعد السداد.. لم تكن الظروف قد تعدلت بعد ولم تكن الأيام قد جادت بما هو متأمل ولذا لم تجد تلك المرأة ما تدفعه لدائنها ولم يستجب هو لقول الله تعالى ( فنظرة إلى ميسره ) ومن أجل هذا بقى ( الدائن ) يتردد على الكفيل للمطالبة بحقه والكفيل يزيد من ضغوطه على الأرملة لنفس الغرض،

وفي يوم من الأيام قابل الدائن الكفيل في أحد الأسواق وهو يرتدي جُبَّةٌ له تقيه من برد الشتاء فأخذ جٌبَّته مقابل دينه ولما عاد الكفيل إلى بيته والبرد يكاد يفتك به ذهب مباشرة إلى تلك المرأة ولعلّه كان منفعلا حينها فألح عليها في طلب تسديد ماعليها وطال بينهما النقاش حتى ضاقت به ذرعا لعدم تقديره لظروفها فعيَّرته بِحَوَلٍ في عينه اليسرى قائلة له ( أندر من فوق بيتي يا شتيح ! ) وعندها لم يجد ( شتيح ) بدا من النزول عن ظهر البيت والعودة أدراجه إلى منزله وكل امله عدم وصول الخبر إلى دغسان حتى لا ينصب له الأخير فخا يخلد من خلاله أحداث تلك الواقعة فما في ملاسي يكفيه من ذهاب جبَّتة وتجرعه مرارة برد الشتاء . . لكن الخبر سرعان ما انتقل حتى انتهى إلى دغسان لأن الناس لم يكن لهم مفر من التسامر ليلا لقضاء الوقت وتداول أخبار المجتمع في ظل عدم وجود وسائل الاتصالات المتوفرة حاليا وعندها قال دغسان :-

لابد تشرب من الأعداد يا ضامن {1}
من سد حبس(ن) وله ممضى عتل جبه {2}
حبس(ن) صليب(ن) وراه الجم يتجمّل {3}
يسوق زرعٍ(ن) ورا أسوار(ن) طال بناها {4}
يمــون حـبّه وفي وقـت الشّتــــي حنـدر {5}

معاني الكلمات 🙁 1 ) الأعداد – جمع عِِِِذّ وهو البئر ، والضامن ( الضامئ ) .
( 2 ) من سد :- من خلف ، حبس :- المكان الذي يحبس فيه الماء سواء أكان قُفّ البئر اوالبِرْكَة التي كانت تحفر بجانب القف لتجميع الماء .
الممضى هو الطريق الذي يمضي منه الماء أو ينتقل عبره من البئر إلى المزرعة ويسمى الفلج ،
العتل _ جمع ( عتله ) وهي أداة حديدية تستخدم لقطع الصخر .
َََََجبَّه :- بفتح الجيم أي قطعه . .والمعنى أن ماء البئر الذي يشرب منه الضمآن محبوس في ممر أستخدم العتل في قطعه أو شقِّه
( 3 )صليب : قوي ، والجم هو الماء . . ويتجمل : يصبح جميلا في نظر العطشان .
( 4 ) يسوق : يروي ( من الري ) ورا _ أي خلف
اسوار(ن) _ جمع سور ، طال بناها _ أي طال بنيانها والمعنى أن الماء يروي زرعا خلف أسوار استغرق بنيانها وقتا طويلا
( 5 ) يمون حبه _ أي تتكاثر حبوبه
في وقت الشتي حندر _ الحندرة _ فتح العين بقوة والقصد ان عذوق الحب ( حب الذرة ) تتفتح في فصل الشتاء بسبب وفرة المياة حتى يخيل لمن يراها أنها محندرة .


( الرد _ من ملاسي )

والله لتشكي النّدم والبرد ياضامن
لولا الضمانه يكن ماضاعت الجبة
لكن هذا جزا من عاد يتجمّل
صٌفَّه قبيحه تداوس لا طلبناها { 1 }
بـعــد الجمــيلة تقــل لي ياشتيــح أُنـــْدر
معاني الكلمات :
( 1 ) صُفّة _ ( بضم الصاد وتشديد الفاء ) أي الجيل الذي كان على قيد الحياة آنذاك ، والضامن هو الكفيل .

رحم الله ملاسي ودغسان ورحم تلك الأرملة التي أخّرت ابنا بارا بها وبأبناء قريته وبالقرية نفسها فقد عاش مع والدته تلك الظروف الصعبة لكنهما أي ( الوالدة والظروف ) خلقا منه رجلا مكافحا خلوقا محبوبا حفر الصخر بيديه وتعلم في وقت لم يكن فيه التعليم متيسرا وتسنّم بعد ذلك مركزا هاماً في الدولة لم يصل إليه على حد علمي أحد من أبناء قريته حتى الآن وهو المثل الأعلى لكاتب هذه السطور، أسأل الله له دوام الصحة والعافية وأن يجازيه عن والدته خير الجزاء فقد عوضها عن كل لحظة حرمان وامتد خيره بعد ذلك ليشمل البعيد قبل القريب .
  
   

منين لي كل جمال(ن) ملاسي معه

قصة هذه القصيدة تظهر مدى ما كان يكابده الشاعر ومعاصروه من صعاب في سبيل الحصول على القرش فضلا عن الريال وتوضح حجم المعاناة التي كانوا يحتملونها لتوفير لقمة العيش فضلا عن تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأخرى كالمسكن والمركب والزوجة وما في حكمها وقد أشرنا فيما سبق إلى أن ملاسي شأنه شأن معظم من كان يتردد على مكة من آهالي وادي العلي وغيرهم من أهالي الجنوب لم يكن يتقن حرفة يدوية يتكسب منها سوى نقل البضائع من المستودعات أو ما يسمى ( بالمغالق ) إلى المتاجر أو من الأمكنة التي يضع فيها الجمّالة حمولة جمالهم إلى مستودعات التجار، وبالمناسبة فإن الجمال كانت هي الوسيلة الوحيدة لنقل البضائع من ميناء جدة إلى مكة المكرمة وإلى سوق المدعى بالذات بصفته السوق الوحيد تقريبا في مكة في ذلك الوقت ولذا فإنه ( أي المدعى ) كان مقر تمركز الحمالين وما أكثرهم فقلما تجد بيتا في قرى الجنوب لم يمتهن أحد أفراده التحميل في سوق المدعى أو ( الجُواد ) لدى المطوفين وأبنائهم اثناء موسم الحج لخدمة الحجاج ونصب الخيام وهو ما يطلق عليه ( بالطلعة ) نسبة إلى الطلوع إلى المشاعر .

لم يكن يسمح لأصحاب الجمال بالدخول إلى المدعى لإنزال حمولة جمالهم إلا بعد أن يقفل السوق أبوابه أمام المتبضعين وذلك منتصف الليل أو دونه بقليل وله شاهد في عصرنا الحاضر وهو عدم السماح لسيارات النقل أوقات الذروة بالدخول إلى الأماكن المزدحمة داخل المدن.

كان لدى كل تاجر من كبار التجار في ذلك الوقت عمالته الخاصة به والتي يستخدمها في تنزيل وتحميل بضائعه ولها رئيس يقال له ( مقدم ) ومنهم تاجر التمور ( الصنيع ) الذي سيرد ذكره وذكر المسؤل عن عمالته ( بن عمر) في قصيدة ملاسي وبما أن لكل تاجر كما قلنا عمالته الخاصة فإن معظم أولئك التجار لم يكن في حاجة للاستعانة بعمالة أجنبية إلا فيما ندر وهذا ما جعل سوق ملاسي وسوق أكثر الحمالين في المدعى في كساد إذ قد يمر على بعضهم بضعة أيام دون أن يحتاج لخدماته أحد ، فمن أين له حق أكله وشربه ؟ وكيف له توفير ما يستأجر به سريرا ينام عليه في أحد المقاهي القريبة من المدعى ومنها ( قهوة الكندرة ) ؟ وكيف له أن يشتري ملابسه وحذائه وبقية متطلباته ؟ ثم من أين له بعد ذلك أن يوفر مصروفا لأهله الذين تغرب عنهم وتركهم ينتظرون ما يبعث به إليهم أو يعود به بعد سفر قد يمتد لعدة شهور ؟!

رئيس العمال أو ( المقدم ) كان يتقاضى قرشين تسمى ( بِرَازة ـ من التبريز والفرز ) عن كل طرد يشرف على إخراجه من مغلق التاجر أو متجره وتسليمه للزبون فكم ياترى كان يتقاضى العامل الذي يحمل الطرد ؟! لاأعتقد أنه يتجاوز ما يحصل عليه المقدم بأي حال من الأحوال .


في ظل هذه الظروف كان محمد ملاسي يقضي عدة أيام لا يجد فيها من يطلبه أو يحتاج لخدماته فهل يمد يده يستجدي الناس فإما أن يعطى وإما أن يمنع ؟!
لم يكن ملاسي ليفعل ذلك ولم تكن أخلاقه لتسمح له بمجرد التفكير فيه ! إذا فهل له أن يسرق ليسد رمقه ثم يعلن التوبة بعد ذلك ؟!
هذه أكبر من الأولى وما كان لأقل منه تديُّنا وشهرة أن يلجأ لمثل ذلك فما هو المخرج ياترى ؟

لم يكن لملاسي إلا الحيلة ولا أرى إلا أنه كان محقا فيما فعل، فكيف فعل ؟!

جاءت قافلة بضائع من جدة آخر الليل لتاجر من تجار المدعى فلما وصلت منتهاها لم تجد في ذلك الشارع سوى محمد ملاسي فسأله قائدها بصفته غريبا عن المنطقة عن مغلق ذلك التاجر لإنزال الحمولة أمامه فأشار له ملاسي إلى مغلق تاجر آخر وذلك لكي يضطر صاحب البضاعة لإستئجار من ينقل الحمولة في الصباح الباكر إلى حيث مغلقه قبل أن تقوم البلدية بتغريمه، وهذا يعني أنه لا مفر للتاجر من الاستعانة بحمالين آخرين غير العاملين لديه في سباق مع الزمن لنقل البضاعة قبل حضور موظفي البلدية وحينئذ سيجد ملاسي فرصة عمل تكفيه مؤنة ذلك اليوم .

هذا كلما في الأمر وسواء أكان ملاسي محقا أو لم يكن محقا فيما فعل وسواء أكرر ذلك أم لم يكرره فليس هذا موضوع نقاشنا , موضوعنا يتلخص في أن الخبر وصل إلى دغسان فلم يدعه ليذهب ولم يكن ملاسي في شجاعتة التي عرف بها ليتجنب صراحة القول أو الإبتعاد بالرد عن الهدف الذي من أجله أنشئ البدع فهو أعمق فهما ممن يعذله على التصريح ويحثه على التعريض حتى قال ذات مرة لناصح يعد نفسه أمينا ( يا ولد أنا شاعر وأفهم ماذا يطلبه مني الشاعر الآخر وأعرف ماذا أقول )

وصل الخبر كما قلنا إلى دغسان فمهّد لملاسي ببدع خلد من خلاله فصول تلك الحادثة فماذا قال :

بعض العرب لو تحطه شار علم ادعا
ولوتحطه على كرسي ملك اندره
لو كان يعرف يكن على الحق يابا بقي
لكن ما يعرف المعروف هو والصنيع
يجهر بسده على روس الملا سيمعه

يقول من الناس من يحمل لؤما قد تبلغ به درجته إلى أن يداعيك في المال أو الشئ الذي طلبت منه وضعه أمام عينيه وحراسته لك مدعيا أنه صاحبه، ومن شدة مكره أنك لو أجلسته على كرسي مسؤول لأبعده عن كرسيه وادعى أنه له وأن المنصب منصبه حتى وإن كان ذلك الكرسي لملك من الملوك، وفي معرض لومه لذلك الشخص يقول دغسان لو أنه يعرف الحق يا أبي لبقي عليه ولم يحد عنه لكنه لايعرف معروفا ولا يشكر صنيعا والدليل أنه لايحتفظ بسرّه بل يجاهر به على رؤوس الخلائق ويسمعهم إياه وهو ممن ينطبق بحقه قول الشاعر :

إذا المرء افشى سرّه بلسانه * * * ولام عليه غيره فهو احمق

وفي الرد يقول محمد ملاسي :

امسى ملاسي يساهر شارع المدعى
والرزق ماقد ظهر من قهوة الكندره
ولا معي فايدة لا عزَّل البابقي
ولا معي مصلحة من بن عمر والصنيع
منين لي كل جمَّال(ن) ملاسي معه

قضى ملاسي ليله ساهرا ينتظر الرزق ويبحث عنه في شارع المدعى فهو على يقين أن من يقضي ليله في قهوة الكندرة يدخن الشيشة ويلعب الضومنة ثم ينام وقت توزيع الأرزاق ( بعد صلاة الفجر ) لن يأتيه الرزق فقد روى الإمام الترمذي بإسناده عن صخر الغامدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم بارك لأمتي في بكورها )، قال وكان إذا بعث – أي النبي صلى الله عليه وسلم – سريةً – أي طائفة من الجيش – أو جيشاً بعثهم أول النهار، وكان صخر رجلاً تاجراً وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله، قال الإمام الترمذي: – حديث صخر الغامدى حديث حسن. ولا نعرف لصخر الغامدي عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث. سنن الترمذي 3/517.

ويضيف ملاسي قوله : ستنقطع فائدتي إذا عزّل البابقي أو أفلس وهو أحد تجار المدعى ، أما تاجر التمور ( الصنيع ) وهو من القصيم ومقدمه أو رئيس عُمّاله ( بن عمر ) وهو بالمناسبة من قرية ( عراء ) فليس لي عندهما مصلحة لأن تحميل التمور يحتاج إلى متخصصين يجيدون التعامل مع أوعيته التي توسخ خياش العمال بالرّب وهو السائل اسفل وعاء التمر،والصنيع عنده من أولئك ما يكفيه . وفي آخر بيت يقول ملاسي من أين لى مع كل جمّال يقدم إلى المدعى بمثل ملاسي يدلُّه على مستودع غير الذي يسأل عنه لنسترزق من ورائه ؟!!!!! ..

ملاسي والغزل

اغراض الشعر خمسة (المدح و الهجاء، الوصف، الرثاء، الغزل ) وهناك من يضيف إليه غرضا سادسا وهو ( الشكوى ) وإن كان البعض يدخل هذا تحت بند ( الوصف ) أي وصف الشاعر لحالته التي يشكو منها، والملاحظ أننا عندما نورد دواوين شعرائنا ( شعراء الجنوب ) نتحاشى المرور على ما اوردوه في الغزل أو أننا نشير إليه عن بعد وعلى استحياء وكأننا عن قصد نوسمهم بما لم يوسم به البشر مع أن المأثور عن الشعراء في الجاهلية والإسلام أنهم طرقوا هذا الجانب وتوسعوا فيه حتى نُسب بعضهم إلى معشوقته ـ ككثيّر عزّة، وجميل بثينة، ومعشوق ليلى ـ وغيرهم، وقد صرّح بعض الشعراء في نظمه بإسم المعشوقة ولم ينكر عليه أحد ذلك، فكعب بن زهير مثلا أنشد أمام النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المشهورة :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * * * متيم اثرها لم يفد مكبول

فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم التصريح بإسمها ولم يلمه على ذلك ، كما ذهب غيره إلى مثل ما ذهب إليه فقال الأعشى في محبوبته هريرة :

ودع هريرة إن الركب مرتحل … و هل تطيق وداعاً أيها الرجل

غراء فرعاء مصقولٌ عوارضها … تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل

كأن مشيتها من بيت جارتها … مر السحابة لا ريثٌ و لا عجل

وقال جميل بثينة :

فهلاّ تجزني أمُّ عمروٍ بودها * * * فإنّ الذي أخفي بها فوقَ ما أبدي

وكلّ محبٍ لم يزدْ فوقَ جهده * * * ِ وقد زدتها في الحبّ منيّ على الجهدِ

إذا ما دنتْ زدتُ اشتياقاً وإن نأتْ * * * جزعتُ لنأيِ الدارِ منها وللبعدِ

أبى القلبُ إلاّ حبَّ بثنة ِ لم يردْ * * * سواها وحبُّ القلبِ بثنة َ لا يجدي

تعلّقَ روحي روحَها قبل خَلقِنا * * * ومن بعد ما كنا نطافاً وفي المهدِ

فزاد كما زدنا، فأصبحَ نامياً * * * وليسَ إذا متنا بِمُنتقَضِ العهد

وروي عن كثير عزة قوله :

ألا لَيْتَنا يا عَزَّ كُنَّا لِذِي غِنًى * * * بعيرينِ نرعى في الخلاءِ ونعزُبُ

كِلانا به عَرٌّ فمَنْ يَرَنا يقُلْ * * * على حسنِها جرباءُ تُعدي وأجربُ

إذا ما وَردنا مَنْهلاً صَاحَ أهلُهُ * * * علينا فما ننفكُّ نُرمى ونُضربُ

نكونُ بعيريْ ذي غنى ً فيُضيعُنا * * * فلا هُوَ يرْعانا ولا نَحْن نُطْلَبُ

يُطّرِدُنا الرُّعيانُ عَنْ كُلِّ تلْعة ٍ * * * ويمنعُ مِنّا أَنْ نُرى فيه نَشْرَبُ

وددتُ -وبيتِ اللهِ- أنّكِ بكرة ٌ * * * هجانٌ وأنّي مُصعَبٌ ثمَّ نهرُبُ

وقال قيس بن الملوح :

تعلقت ليلى وهي ذاتُ تمائمً * * * ولم يبدُ للاتراب من ثديها حجمُ

صغيران نرعى البهم ياليت أنّنا * * * بقينا ولم نكبر ولم تكبر البهمُ

وقال قيس بن ذريح في لبنى :

يقولون لبنى فتنة كنت قبلها * * * بخير فلا تندم عليها وطلق

فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي * * * وأقررت عين الشامت المتملق

وددت وبيت اللّه أني عصيتهم * * * وحملت في رضوانها كل موثق

وكلفت خوض البحر والبحر زاخر * * * أبيت على اثباج موج مفرق

كأني أرى الناس المحبين بعدها * * * عصارة ماء الحنظل المتفلق

فتنكر عيني بعدها كل منظر * * * ويكره سمعي بعدها كل منطق

فما بالنا نحن نخفي ما قاله شعراؤنا في هذا الجانب أو نتجنب الخوض فيه مع أنه لم يؤثر عن أحد منهم أنه ذكر إسم محبوبته أو تطرق لوصف شئ منها وانما اكتفى بالرمز لها بما تطيب النفس بتذوقه ( كالتمر والعسل والبن والعنب والبُرّ وما في حكمها ) او بما ترتاح العين لرؤيته ( كالشمس والقمر ) وما شابههما ؟!

يقول دغسان رحمه الله :

يابرّ ماهو من جميع الحَبّ شبّه
راوياً ياحَب ش ارواك
غالي وجاله في بلاد الحَبّ شِيطان
مايجي للحَبّ شواني
لاسيق ضلاّ له في البقعا ترنه

وفي قصيدة أخرى يقول :

ياتمر صفري زان في ملك إنتظامي
مال غرسه ودّيش رُبّ
يزهي ويتزايد متى ما يهبط السوق
وله التجار ولما
دونه حراراً فايته وارواض مايه

ويقول الشاعر سعد بن عبد الرحمن رحمه الله :

يارازقيا بطن وادي فيق فانا
له نوامي شرّعت به
لاصد عوده بالروى له راج فيه
زاد طلعه عالمنى هيل
كلا يقل ياليت قوتي من هبوره


وفي قصيدة اخرى يقول :

ياصالبيا فا لخلي والما جرى له
في قصابه ردّ ع ألما
يازين غرسه مال بين الشمس والفي
له من الحُلَّق نبع جم
تحيي القلوب الميته يا بُنّ صدري

ويقول الشاعر حميد المحضري رحمه الله :

ياشهر ما ودّي تغيّب ليل عنّا
اولك نوراً وتاليك
واما ليالي النص ريتك في كباير
كل وادي نار به نار
نورك على الغوقه بوادي فيق هاوي

وفي قصيدة أخرى يقول :

يا جلس نحل من صدور اهل التهم جا
جاليه متولعينا
فايت ورا مزحك ومشي من رماضي
سد بيبان لحاجه
وهو دوا الروح العليل ومجار بله

اذا لاحضنا أن أحدا منهم لم يتفحش في الغزل ولم يشر إلى إسم محبوبته أو يتطرق لها من قريب أو بعيد فلم نتجنب تدوين غزلهم مع أنهم نظموه ولم يتنكر له أحد منهم ؟!

جمع محمد ملاسي انواعا ثلاثة من اغراض الشعر في قصيدة واحدة تتكون من ثلاثة أبيات فقط حيث اشتكى ووصف حالته وتغزّل فماذا قال :

يقلك إبن جهاد ما ابغي حماة البير
ورحت ما الوادي معيّل من الظما
باموت يادغسان والماء نصيّره

حماة البير : ماء من اسفل البئر مختلط بطين أسود
معيّل : حالة بين الإغمائة والإفاقة
نصيّره : نشاهده

فأي عبقرية هذه التي جمعت بين ثلاثة من اغراض الشعر في هذه الابيات الثلاثة ؟! إنها عبقرية ملاسي بلا شك فهل يسعفنا أحد برد دغسان الذي تتضح من خلاله عبقريته أيضا ؟! ارجو ذلك .

ملاسي والقدس

البدع ( من دغسان )

اهلك ياشوقبي(ن) زارعه قِدْ سَرَح
يوم تصبح وهوّه بالروى ماليهود
مايجي للمريري من فلس طينهم
مايجي الا في ارض(ن) ضاريه بالعمار
بُرّ في تالبه مزروع يابن جهاد
في بلاد(ن) كذا عن قرية الجادية

معاني الكلمات :ـ

اهلك : هنيئا لك .
الشوقبي : القمح ( الحُنْطة )والمخاطب هنا المقصود بالتهنئة هو زارع القمح وليس القمح نفسه .
ماليهود : يتهاود أي يتمايل على بعضه بعضا بهدوء إذا هبت الريح من شدة الرواء .
المريري : إسم موقع شمال رهوة البر .
فلس طينهم : الطين المفلس أي غير الصالح للزراعة .
ضارية بالعمار : معتادة على إهتمام الفلاّح بها وجهوده المميزة لاستصلاحها .
بُرّ : إسم آخر للقمح .
تالبه : إسم موقع شمال قرية الجادية ورغدان مشتهر بانتاج القمح الجيد .

والقصيدة غزلية البُنْيَة رمز الشاعر فيها بالشوقبي للشخصية المخاطبة المعجب بها وهي واضحة المعاني والمدلولات لاتحتاج لشرح قد يضر بتركيباتها وما ترمي إليه .

الرد ( لملاسي )

يامحمد ملاسي جهة القدس رُحْ
جا على المسجد الاقصى خطا ما اليهود
يا وُجْد المسلمين على فلسطينهم
ديرة لو نفادي دونها بالعمار
والذي ينقتل في معركات الجهاد
رابح (ن) جا خلاص(ن) فيه وان جا دية

استهل الشاعر رده بحرف النداء الموجه لذاته آمرا نفسه بالتوجه إلى فلسطين للدفاع عن القدس التي تستحق التضحية والجهاد بعد أن اعتدى اليهود على مسجدها الأقصى موضحا بأن من يُقتل في تلك المعركة رابح في كلا الحالتين سواء أقتل مقابله أحد المعتدين أو سلمت لأهله الديّةُ مقابل فقده ، وعلى كل حال فقد أبدع ملاسي في رده سواء اكان مقصده الجهاد بعينه على وجه الحقيقة في فلسطين أم أنه عنى بالقضية كلها بما فيها القدس والمسجد الأقصى محبوبته والأرض التي انجبتها ولا غرو في ذلك فهو لم يتمثل سوى قول الشاعر العربي الذي سبقه إلى ذلك حيث قال :

فرشوا على قبري من الماء واندبوا **** قتيــل كعـاب لاقتيـل حروب

رحم الله ملاسي ودغسان وجمعنا بهما في جنات عدن .
  
   


{ الحج وملاسي }

كان العمل لدى المطوفين في موسم الحج أو مايسمّى ( بالطلعة ) أحد أهم مصادر الدخل السنوي عند شريحة عريضة من مواطني المملكة ومن بينهم أبناء الجنوب وخاصة ( الغمّد ) الذين برعوا في هذا المجال حتى أصبح عددا منهم من أبرز المطلوبين لدى أشهر المطوفين في مكة كالفطاني والبشناق وغيرهما وماذاك إلا نتيجة لامانتهم وجلدهم وتفانيهم في أداء ماهو موكل إليهم من خدمة الحجاج والسهر على راحتهم والحفاظ على اموالهم واعراضهم وقد كان شاعرنا أحد أولئك العاملين في تلك المواسم طوال حياته بما في ذلك العام الذي توفي فيه فقد ثبت من رواية إبنه أحمد أنه وجد في ( كمره ) بعد وفاته مائتي ريال هي كامل مستحقاته عن ذلك الموسم الذي لم يكمله رحمه الله نتيجة للوعكة الصحية التي المت به في المشاعر وتوفي على اثرها قبل أن ينتهي من مهمته .

وفي موسمين من تلك المواسم خلّد الشاعر تجربة مشاركته فيهما شعرا تداولته الألسن وحفظته الأجيال فكان دليلا على قوة شاعريته واسلوبه الفذ في تصوير الأحداث ونقلها بأدق تفاصيلها لمن لم يشهدها وفي كلمات معدودات لو كتبت نثرا لم يف بجزئياتها عشرات الصفحات ومئات الكلمات فانظروا ماذا يقول :

في حج عام 1369 هـ ونتيجة لقلة الوعي وضعف الوازع الديني لدى بعض الاشخاص الذين اُبتلي بهم ذلك الموسم فقد اصطحب عدد منهم وخصوصا الأثرياء من المطوفين العاملين على خدمة الحجاج وكنوع من الترفيه عن النفس في اوقات الفراغ آلآت تسمى باللغة الأنجليزية ( بي كام ) واشتهرت لدى العامة ( بالبكم ) اختصارا وهي صناديق خشبية تحوي الآت تعمل على تشغيل أشرطة أغاني دائرية الشكل شبيهة بالسيدهات الحالية إلا أنها أكبر حجما ويعلو الجهاز أو الصندوق الذي يلف تلك الألآت مكبر صوت تنطلق منه المادة المسجلة على تلك الاصطوانات بصوت مرتفع ، وفي مشعرعرفات كان الله لأولئك بالمرصاد فهبت قبل إنتهاء اليوم ريح شديدة إقتلعت الخيام وبعثرت الحاجيات وشتت الجموع اعقبها في لحظات معدودات مطر قوي مصحوب باصوات رعد مخيف وبَرَدٌ لم يشهد الناس له مثيلا في تلك الحقبة فكان الجزاء فوريا ومن جنس العمل فماذا يقول الشاعر في وصف تلك النازلة :

البدع

ياتاجر التهم يبغى لك في الحجره عود
راعي المواتر كسب لاتاع منها بِرَد
الى سلم هرجة النمام والراديو
والمنعوج يعرفه قلبي وقرّ نعرفه

(1) تاجر التهم : نسبة إلى تهامة
(2) الحجر : المقصود – سوق الحجرة – والحجرة قرية في تهامة زهران لها سوق معروف مسمى باسمها
(3) عود : أي خيمة تنصب لممارسة التجارة
وقد يكون المقصد عودة إلى السوق ( اي رجعة إليه ) أو عود بمعنى جمل محمّل بالبضائع والمعنى في بطن الشاعر
(4) المواتر : السيارات المعدة لنقل البضائع
(5) تاع : كلمة تهامية بمعنى جاء – يقول شاعر تهامة في قصيدته المشهورة التي القاها بمناسبة قيام أهالي وادي العلي باعادة ابلهم المسروقة ( ابلنا تعتم بها لكن نبغي منكم البيان ) واستخدام الكلمة هنا ينم عن سعة اطلاع الشاعر والمامه بلهجات المناطق الأخرى وحسن انتاقائه للالفاظ إذ أنه من المناسب طالما أن المخاطب تاجرتهامي أن يأتي له بمفردة تهامية بحته .
(6) برد : يقصد حملة السيارة لمرة واحدة
(7) الى سلم : إذا تفادى ، هرجة : كلام
(8) النمام والراديو : النمام معروف والراديو يقصد به الانسان الرّدي الذي لاخير فيه .

وفي بيت واحد هو البيت الأخير لخّص الشاعر تجربة مخالطته للناس طوال حياته كلها ومعرفته باحوالهم – برّهم وفاجرهم غثهم وسمينهم صديقهم وعدوهم – حيث يقول – المنعوج يعرفه قلبي وقرّ نعرفه – أي انني اعرف الأعوج والسّويّ وهو ماعبر عنه بكلمة عامّية من لهجتنا المحليّة المتداولة وهي ( القارّ ) لتتفق مع ماخطط له في الرد عندما أتى بمفردة ( قرن عرفه ) كناية عن جبل الرحمة في مشعر عرفات ، وهذا البيت لاتقلّ قيمته الفنّية في نظري عن البيتين الذين اُشتهربهما الشاعر وهما ( يقل محمد ملاسي من رضي ماغبن – لاتعذلون العرب كلا برشده يعيش ) حيث اطلق عليه بعدهما شاعر الحكمة وهو للحق كذلك في كل اقواله التي وصلت إلينا.

الرد

يقل محمد ملاسي جا في الحج رعود
وجا نشايا من المولى وفيها برد
هذا جزا راعي الصندوق والراديو
لو مارحمنا هِلِكنا عند قرن (ا) عرفه

(1) نشايا : سُحُب ممطرة – يقول المولى عزّ وجلّ ( وينشئ السحاب الثقال )
(2) راعي الصندوق : صاحب البيكام
(3) قرن عرفة : كناية عند العوام عن جبل الرحمة .

هذا ما خلدّه الشاعر في ابيات اربعة لاخامس لها تجسد ما قد يحتاجه اديب في عدة فصول لتصل فكرته إليك أيها المتلقي فقل اللهم ارحم ملاسي واعف عنه فإنه يستحق منا الدعاء نظير ماقدّمه .( اللهم ارحم محمد ملاسي واعف عنه ، اللهم اكرم نزله ووسع مدخله وعافه واعف عنه ، اللهم وكما خلّدت ذكراه بيننا فخلّد جسمه واسمه في جناتك جنات الخلد يارب العالمين )

في الحلقة القادمة نكمل بحول الله تجربة الشاعر الثانية مع مواسم الحج والتي خلدها باشعار تفوح منها رائحة الصبر وطول المعاناة فالى أن نلتقي نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله .

ومع شاعرنا الفذ محمد ملاسي ومواسم الحج نتواصل فنقول :

سافر ملاسي ذات مرة إلى مكة للبحث عن عمل في موسم الحج ، والعمل في الموسم آنذاك يعد مصدر رزق هام لأغلب أبناء المنطقة الجنوبية من الطائف إلى نجران لأن معظمهم مزارعون أٌمّيون ليس لهم وظائف ولا مصدر رزق خلاف المزارع التي قد تجود بقدرة الله في بعض الأعوام وفي أغلبها لاتجود وكان الرجل اذا وجد عملا أو مايسمى ( بالطّلعة ) خلال الموسم يعتبر محظوظا لكثرة العرض وقلة الطلب ، وعندما نقول (سافر فلان ) فإننا نعني أنه تكبد من المشاق ماالله به عليم فقد ودّع أهله وأبناءه وأحبابه واتجه نحو المجهول فليس هناك وسائل اتصال يستطيع المسافر بواسطتها الإطمئنان على أهله غير الرسائل التي تحمل يدويا مع المسافرين من أبناء القبيلة ، والسفر في حدّ ذاته يعتبر قطعة من العذاب وخصوصا في تلك الأزمنة التي كانت المسافة من الباحة إلي مكة تستغرق سبعة أيام بلياليها ومثلها في العودة مشيا على الأقدام .

المهم عمل ملاسي لدى مطوف يدعى ( الحويت ) وكان معه أحد أبناء الوادي من قرية المردد وهو المرحوم ( سعيد الدميني ) جد الأخ الفاضل والزميل العزيز ( أحمد حامد الدميني ـ مدير عام التأمينات الإجتماعية بمنطقة مكة المكرمة حاليا ) ، والعمل لدى المطوف لايقل عما لاقاه المسافر من الباحة إلى مكة من مشقة فمطلوب منه العمل ( كصبي ) لمدة لاتقل عن شهر { يطبخ للحجاج طعامهم ( في حرّ مكة الشديد ) ويحمله إلي مقر سكناهم ويتولى توزيعه بينهم ويجلب لهم الماء للشرب والوضوء والإستحمام فليس هناك مايعرف حاليا ( بالوايتات ) ثم يشارك في حمل ونقل الخيام من مكة إلى المشاعر في منى وعرفات ونصبها هناك وإعادتها بعد المناسك إلى المستودعات ، فضلا عن نقل ما تحتاجه تلك المخيمات وأهلها من مستلزمات بدءا بالطعام والماء والكساء وانتهاء بالحراسة والبحث عن المفقودين من الحجاج ومعالجة المريض منهم ومساعدة العاجز وما إلى ذلك }.

خلاصة القول أن ملاسي كٌلّفَ إلى جانب ماهو موكل إليه باستلام الخيام التي تم جردها ( عذّها ) عليه في بداية المشوار وعليه أن يسلّمها كاملة في نهاية الموسم والا فقد بذلك إستحقاقه عن ( الطّلعة ) برمتها ، وهل تدرون كم كان إستحقاقه عن كامل الموسم ؟ إنه في أحسن الأحوال لايزيد عن مائتي ريال !!!!! ( رحم الله آباءنا وأجدادنا كم عانوا من المشقة والإذلال ).

إنتهى الموسم وعند عدّ الخيام اتضح أن إحداها لم تكن موجودة وربما أخذت من قبل أحد المطوفين المجاورين في الموقع عن طريق الخطأ أو أن شخصا ما من اللصوص ( وما أكثرهم في تلك المواقع ) استولى عليها دون علم ملاسي ورفاقه ؟ المهم أنها فقدت ، وبناء عليه لم يعط المطوف لملاسي أجرته ! ومع أن المصاب جلل والخطب فادح إلا أن شاعرنا لم يكن أشد إكتراثا بالذي حدث له مما سيناله من شماتة رفيق دربه ( دغسان ) الذي لو علم بالامر لم يدع له ( أي لملاسي ) جنبا يتكئ عليه ولهذا كانت ردة فعله الفورية صرخة مدويّة في المكان مضمونها ( دغسان لايدري ) ! لكن هيهات !! فدغسان يتصيد مواقع إيلام ملاسي ويأيته بالأخبار من لم يزود !

فماذا ياترى قال دغسان ليرغم ملاسي على تدوين تجربته المريرة تلك بنفسه لتكون شاهدا على قسوة الإنسان على أخيه الإنسان ؟!يقول رحمه الله :

نزّالة الأحسبة عالخطر والموسم
تسمع لهم ياملاسي فالجوا دلجن
درب القوافل تحصلهم حوي توّه
والشيخ ساعد يقولون ضاع تلخيمه

ولشرح البدع ليتفهمه القرّاء الكرام نقول :

كانت قوافل الحجاج قبل الحكم السعودي تتعرض للسلب والنهب وكان اللصوص يعترضون طرقها زرافات ووحدانا بل إن الحال وصل بهم ( أي باللصوص وقطاع الطرق ) إلى أن بعضهم يعرف منطقة البعض الآخر فلا يجرؤ على الإقتراب منها ومن تلك الأمكنة وادي يسمى وادى الأحسبة في تهامة حيث يتم اقتناص الحجاج القادمين من القرى الجنوبية للمملكة ومن اليمن فيه ، وكان الموقع يهيمن عليه مجموعة من الأفراد تحت إمرة رجل يقال له ( ساعد ) ولأجل أن يخلد دغسان ذكرى ملاسي هذه عبر التاريخ كان لابد له أن يأتي بمفردات تتناول الحدث مباشرة ( كالموسم ، والحويت وهو { إسم المطوف } وضاعت الخيمة )

فيقول في بدعه ـ نزّالة الاحسبة ـ أي النازلين والمتمركزين فيه من اللصوص وقطاع الطريق ، عالخطر والموسم ـ أي مقيمين على الأخطار منهم وعليهم ، والموسم يريد به ( التوسيم ) وهي لفظة ديروية بحته ترمي إلى مايحصل عليه شخص من آخر بدون رضاه ـ فيقال فلان وسّم في فلان أي كسب منه أموالا طائلة بغير وجه حق .

تسمع لهم ياملاسي فالجوا دلجن ، أي أن ضجيجهم علا وارتفع في الجو فاصبح مسموعا ـ وبلهجتنا المحليّة لهم إدّلاجة

درب القوافل تحصلهم حويّ ـ توّه / أي أخذوا أماكنهم السريّة وتمركزوا مقابل وعلى طول الطريق الذي تسلكه القوافل ، وشيخهم المدعو ساعد يقال بأن ماجمعه قد ضاع ، واللخم كلمة حضرمية تطلق في الأصل على اللحم الذي يجمعه الحجاج من بقايا الأضاحي ويقومون بتجفيفه ( في ظل عدم وجود البرادات ) حتى لايتعرض للتلف ليمكن اصطحابه معهم إلى بلدانهم فكنّى دغسان به هنا عن الغنائم التي حصل عليها شيخ اللصوص المدعو / ساعد من ضحاياه ضيوف بيت الله الحرام وكأنه يقول يذهب الحرام من حيث أتى .

وقد كان رد ملاسي رحمه الله على النحو التالي :

سافرت من بيتنا باحاضي الموسم
وزدت جاودت لاوانه جواد الجن
واش قرّبك ياملاسي ما الحويت أوّه ؟
لا قلت حاسب يقللي ضاعت الخيمة

باحاضي ـ أي بأشهد الموسم ، اما أوّه ـ فهي لفظة تقال للتحسّر

بمناسبة إنتهاء مناسك الحج في احد الأعوام السابقه التي عاش فيها الشاعر محمد ملاسي قال هذه
القصيده بدعاً ورداً منه رحمه الله

البدع

ناس عنه زال كثر الهم والشيب راح

ولا يطاوع هروج الزود والحجفــات

يرضى ويفرح وبعد الزفر ونحن بعــد

والدخن إذا جا المخايل بلدك ياغريب

الرد

يقل ملاسي معي في المدّعى شيبراح

وكل واحد قضى المطلوب والحج فــات

جمع الحجوج افلحوا من مكه ونحن بعد

ولا اسمع إلا المنادي بلدك ياغــريـــب

رحم الله ملاسي ودغسان وجمعنا بهما وجميع موتانا وموتى المسلمين في جنات النعيم .


(علّة ملاسي تستعصي على الحكماء)

كان دغسان رحمه الله من اشد الناس التصاقا بالشاعر محمد ملاسي ومن أقربهم الي نفسه، ولأنه شاعر مثله فانه ليس بمستغرب أن يكون هو الأعرف به و بمعاناته وما تنطوي عليه سريرته وإن لم يكن ذلك على سبيل الاطلاق الا انك تجده جليا في العديد من النصوص الشعرية التي اتحف بها الشاعران متذوقي هذا الفن من ابناء المنطقة الجنوبية،

وفي المقطوعة التالية ومايليها تتجلى هذه الفرضية بمالا يدع مجالا للشك، بل وتؤكد على أن دغسان رحمه الله هو الأجدر باستظهار ماكان محمد ملاسي رحمه الله يحاول اخفاءه وكتمانه من معاناة نفسية وربما جسدية ايضا حتى عن اقرب الناس اليه وماتلك المعاناة الا نتاج طبيعي لما افرزته تقلبات الدهر وظروف الحياة القاسية التي عاشها ( اعني ملاسي ) لكن ولأنه وهو المشهود له بالعصامية والقدرة على التحمل لم يشأ البوح بما يختلج في نفسه ويعبرعما بداخله من مشاعر شعرا كان أو نثرا درءا لشماتة الشامتين وكلام المغرضين فآثر الصمت وكأني به ولسان حاله يقول ( صبري على نفسي ولا صبر الناس عليّ )

الا أن فراسة دغسان وقدرته على قراءة تنهدات ملاسي وملامح آهاته التي كانت تخفى على كثير ممن حوله لم تكن بمنأى عن تخطيط دغسان المغلف بالدهاء والمكر الحسن إن شئت كي يقوم ( أي ملاسي ) باخراجها على الملأ دون تهرب أو سعي للي اعناق النصوص ،

ولك أخي المتصفح أن تتمعن في هذا الطرح الذي استنطق بموجبه دغسان رفيق دربه ليضع معاناته أو ( ينشر غسيله ) باللهجة الدارجة أمام الآخرين بكل شفافية ووضوح لترى مدى مايتمتع به كل من الشاعرين من ذائقة شعرية اقل ما يقال عنها أنها ( مبهرة)

البدع ( من دغسان )

والله اني آحب ذا بين الملا سيمتا
وآحب ذا يشتري ما العود وامتان طيب
لكن ربي ينقّض كل فتلا حكيم
اسمع كلامي ولا تقعد تعلّه عليل
والهجرة اصبر لفتنتها وبدوايها

فالهيئة الحسنة للإنسان تعبير عملي عن ذوق رفيع وإحساس بالجمال، وحُسْن مظهر الشخص الخارجي يتضح من طريقة حديثه وصمته وحركتة وسكونه ودخوله وخروجه وسيرته العملية في الناس بحيث يستطيع من يراه أو يسمعه أن ينسبه لأهل الخير والصلاح والديانة والفلاح .
وإنسان هذا نعته لاشك أنه مقبول محبوب قريب من الناس فالعين حين تقع على حَسَنِ الهيئة والهندام ترتاح لرؤياه وتنعم للقياه , لأن الشئ الحسن مُبهج , مرغوبٌ فيه ،
عن عبد الله بن عباس _ رضي الله عنهما _ قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : إن الهَدْيَ الصالح والسمتَ الصالح والاقتصاد جُزءٌ من خمسةٍ وعشرين جزءاً من النبوة )) رواه أبو داود

ولقد عبردغسان وهو المربي الفاضل والقدوة الحسنه عن اعجابه بالرجل المتصف بالسمت واقسم على ذلك فقال ( والله اني آحب ذا بين الملا سيمتا ) ولأن الرائحة الزكية جزء من المظهر الحسن بل قد تكون عنوانا له فإن الشاعر لم يغفلها هنا بل صرح بها ولم يلمح لكنه استدرك فاشار بعدها مباشرة الى أن لكل قاعدة شواذ فقال ( لكن ربي ينقّض كل فتلا حكيم ) فلا يغرنّك مظهر شخص ما فتحكم عليه من خلال مظهره حكما قطعيا ازليا فإن الله قادرعلى أن يفضح سريرة ذلك الذي اعجبت به فيتضح لك عكس ماكنت تعتقده ( ستبدي لك الايام ما كنت جاهلا ) ولذا فقد اكّد على نصيحته تلك بقوله ( اسمع كلامي ) وانتفع به ( ولا تقعد تعلّه ) أي تردده دون الاستفادة منه ( عليل ) مفعول مطلق من ( تعلّ ) ثم ختم رائعته هذه بجملة هي بمثابة القاعدة التي يجب أن يراعيها المرء في كل مراحل حياته وهي الصبر على ما تبديه له الدنيا وما تخفيه من اقدار وفتن فقال ( والهجرة اصبر لفتنتها وبدوايها ) .

اما الرد فقد جاء من ملاسي كما اراده دغسان واضحا جليا لا لبس فيه فقال :

متى تفيق وترضى ياملاسي متى
ومتى بعد ينتهي ذا الشر ومتى نطيب
لو كان من ديرة امريكه يجينا الحكيم
إنه ليقفي وانا تحت الصخونة عليل
وعلتي ما يجي الدكتور بدوايها

ولاحظ هنا أن امريكا منذ ذلك الوقت تتبوأ قمة التقدم في جميع المجالات ومنها الطب لكن على الرغم من ذلك فقد اعيت ( علة ملاسي ) اطبائها وحكمائها فمات بها رحمه الله دون علاج وصدق الله القائل ( فلولا إن كنتم غير مدينين ، ترجعونها إن كنتم صادقين ) رحم الله ملاسي ودغسان وموتانا وموتى المسلمين وجمعنا بهم في جنات النعيم .

فن الطرح للإفصاح عن الم القرح
تجرأت ذات مرة وهي بالمناسبة ( من المرات النادرة ) وسألت الوالد علي دغسان عليه رحمه الله عن ما كان يرمز إليه من معنى في إحدى قصائده التي اشتهرت بين الناس فرمقني بنظرة لم يكن يخفى عليّ ما ورائها وقال ( ياولدي ، انحن نقول القصيدة والناس ياهبون لها معاني ! ) أ .هـ
أردت من هذه المقدمة إيضاح حقيقة أن لكل قصيدة مناسبة قد تخفى على الكثيرين ويبقى معناها كما قيل ( في بطن الشاعر ) وقد تتضح لقلة آخرين آثروا الصمت فتركوا بذلك باب الاجتهاد حول مرادها مفتوحا على مصراعيه فخاض حوله الخائضون ومن هنا فإن تحليلي أو تحليل أيّ مجتهد آخر لأي ّمنها ربما جانبه الصواب لكن بقي لنا منها متنفسا هو قوله تعالى ( تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) .
ذكرت فيما مضى أن ملاسي عليه رحمة الله كان ذا همة عالية وطموحا اكبر بكثير من قدراته ( الاقتصادية والمعيشية ) المتاحة آنذاك وهو كغيره تواقا للجمال بجميع أشكاله وتعدد نحله واختلاف ملله ( في المأكل والمشرب ، وفي الملبس والمركب، وفي الزوج والسكن وحتى في قيد الدابة والرّسن ) كيف لا وهو المنتمى لمن قرر منشؤهم والمطلع على حقائق نفوسهم تلك الحقيقة فيهم بقوله ( زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ) بل إنه سبحانه فوق ذلك جميل يحب الجمال !
إذن فلم يكن ملاسي بدعا من الخلق بل مثلهم يتوق لما يتوقون إليه ويشتاق لما يشتاقون له ويتطلع لما يتطلعون إليه ولو أوتى أحدهم واديا من ذهب لتمنى الآخر ! وتلك لعمري طباع النفوس البشرية قاطبة فلم الاستغراب ؟ّ!
كان ملاسي ودغسان كما سبق التطرق إليه قريبين لبعضهما البعض في السن والسكن والنسب ويربطهما إلى جانب ذلك رابط أقوى هو الشعر ولذا كانا لبعضهما كتابين مفتوحين لايكاد يخفى منهما خافية وفي أكثر من مناسبة شعرية حاول كل منهما استدراج الآخر ليظهر ما كان يخفيه في نفسه ويبديه للناس وماهذه إلا احداها :
يقول دغسان في طرحه
أنا معي قارعة باقولها وغـلاق مـاش
لكن فيها المسرة يوم تبدي والثيـاب – ( الثياب: النفع تقول ترجو ثابته ـ أي نفعه )
مثيل طلع النخل في مغرسه يابـا بكـور
كلام طيب وعند العارفـه تكسـيمنـه – (مكسّم ـ أي مرتب )

الـــرد : مـحـمــد مــلاســي
يقل ملاسي بغينا نكتسي ما اغلى قمـاش
لجل اني احب تنظيف العمايـم والثيـاب
وطحت في بز خاسر في مغالق بابكـور
احذر يصيدك ويادغسان لاتكسـي منـه

يبقى المعنى مدفونا مع ملاسي ودغسان حيث دفنا ويبقى لهما منا الدعاء بالرحمة والمغفرة ما ذكرا ، القاكم بخير .

{ سفر ملاسي إلى الهند أمنية لم تتحقق }

المشهد الأول :
أشعة الشمس الذهبية صبيحة يوم سبت تشق طريقها بين ارتال الغيوم لتنشر الدفء في أرجاء قرية العبالة والقرى المجاورة لها في الوقت الذي استعد فيه مرتادو سوق الغشامرة الأسبوعي للانطلاق إلى السوق لقضاء حوائجهم والتزود بما يكفيهم لبعض الوقت من المؤن والمتطلبات قبل ( البَغْرَة ) وما يسبقها من ( نقل الدّمون ) ثم ( فتق ) الاراضي الزراعية في انتظار موسم يأمل فيه الجميع من الله تعويض ما أتت عليه ( القرّة ) واتلفته من محصولهم من القمح في الموسم الماضي وفي طريق عودة أحدهم من السوق مرّ على غير عادته على عميد بيت الجميلة وكبير العائلة الشيخ ( حمدان آل جميلة ) رحمه الله حاملا له رسالة شفهية من شيخ القبيلة الشيخ سعيد بن صقر الذي قابله في ( البندر ) ومفاد تلك الرسالة أن الشيخ سيكون في زيارة لهم يوم الأربعاء القادم ،
المشهد الثاني :
قصر الجميلة الواقع في وسط القرية ،صاحب الرقعة المساحيّة التي تمتد من شرق القرية إلى غربها والذي لا يكاد يوجد مثيلا له فيها من حيث القدرة الأستيعابية وكرم الضيافة وسعة صدور أهله وبشاشتهم كان محط رحال الشيخ ووجهته على الدوام بل وملهم الشعراء ومثار اعجابهم ومنه انطلقت كثير من الروائع الشعرية حينها ومنها على سبيل المثال ( حيّ الله شيخا معه ظنّه وراموسا ) و ( ياقاطف البرك م الحوض انق شعبيّته ) وما نحن بصدده الآن من ( حيّ الله قصرا وثيقة سامته والربوع ) .
المشهد الثالث :
ساحة المسجد التي اعدت مستراحا للمصلين ومكانا لتداول الآراء حيث ترى الجباب البيضاء ( جمع جبه ) والأبجدة الحمراء ( جمع بجاد ) ومشالح الوبر الثقيلة وهي تتدلى من على اكتاف مرتديها وتقطر ماء في أحيان كثيرة من واشقة مطر تشرءبّ معها الأعناق وتتسع عندها الأحداق مبحلقة في وجه الإمام الذي يدرك مبتغى أهلها وهو ( الجمع ) بين الصلاتين ( المغرب والعشاء ) على الأرجح فيحققه لهم لعل وقت الراحة يطول ولايقطعه مشوار آخر إلى الجامع ،
يدخل ملاسي إلى الساحة قادما من الوادي قبيل المغرب بدقائق مرتديا معطفه الأسود القديم ذو الخطوط البيضاء وغترته الكريشي المربوطة بإحكام على أم رأسه وبعد القائه السلام على من كان فيها يبادره كبير عائلة آل جميلة الشيخ حمدان وبحضور أخيه عريفة القرية وامام المسجد الشيخ صالح الفقيه وآخرين من بينهم الشاعر الشاب علي دغسان ويخبره بأن الشيخ ابن صقر سيحلّ ضيفا عليهم يوم الأربعاء القادم وأن عليه ( أي على ملاسي ) يقع الدور في القيام بواجب الضيافة حيث أنه في كل مرة يزور الشيخ فيها بيت الجميلة يتولى أحد ابنائها ذلك الدور !
من البديهي أن ضيافة شخص بحجم الشيخ ابن صقر تحتاج لجهود وتكاليف في المقام الأول غير عادية وهو ما يفتقر إليه ملاسي عليه رحمة الله شأنه شأن الغالبية العظمى من سكان القرية فالحال كما هو معروف يعلم به الله ولذا كانت ردة فعله الأولية استفزازية حيث قال ( أنا مسافر يوم الربوع ) مع أن السفر غالبا في تلك الفترة يكون إما يوم الأحد ( يوم سوق رغدان ) أو يوم الخميس (يوم سوق الباحة ) وملاسي في قرارة نفسه يدرك ألّا مفر له من القيام بضيافة الشيخ وتأدية تلك المهمة بنفسه وعلى الوجه الأكمل شاء ام أبى فالأعراف حينها تجبره على الأنصياع لما يقوله كبير العائلة المؤيد من عريفة القرية وكبار الجماعة والاّ فالمقاطعة واردة وهي مالا يطيقه هو أو سواه .
المشهد الرابع :
وصول الشيخ إلى مقر الاحتفال وبدء مراسم الأستقبال ومن ثم العشاء واخيرا مجلس الشعر وهو ( بيت القصيد ) :
حيث بدأ دغسان بالبدع ولم يكن ليترك حادثة سفر يوم الأربعاء المزعوم لتمرّ دون استغلال منطقي لها دوّنه ملاسي في ردّه بعد أن تم استدرجه له دغسان بذكاء بالغ ظهر في صورة اعجاب بالقصر وسامته وارباعه وأهله ومقتناياته كمعاميل القهوة وما في حكمها اضافة إلى القائمين فيه على خدمة الضيوف فقال :
1) حيّ الله قصرا وثيقه سَامَتَه والرّبوع
( السامة ـ البناء القائم ، والربوع ـ أرباع البيت بمافيها الجون وغالبا مايوصف القصر بالمربوع يقول سعيّد ( والد عبد الواحد وعبد الخالق من قرية الحلّة ) لسعد بن عبد الرحمن عليهما رحمة الله ( ياسعد ريت الصيح والفزّاعة ـــ من راس مربوع (ن) تلي عالجون )
2) والضيف الى جاه ما يلقى له اِلّا انشراح
3) يرى المعاميل والكيِّفة ويارا احتشام
( المعاميل ـ ادوات القهوة ، والكيِّفة ـ النشوة والأنبساط ، الأحتشام ـ الحشمة واحترام الذات )
4) والقهوجي مجتهد ف الهيل والبن جهاد
5) وقهوته مان فيها وادرج ادوالها
( مان فيها ) تفنن في اتقانها

بعد أن نفث ملاسي النفس الأخير من دخان غليونه وهو يتمتم بينه وبين نفسه بالرد قبل أن يصدح به على الملأ رفع رأسه وادار بصره متفرسا في وجوه الحاضرين ثم أطلق لصوته العنان قائلا :
1) يقل ملاسي بغيت الهند يوم الربوع
( ولماذا الهند ياملاسي بالذات ؟! مع أنك لاتطيق أهلها ! اولست القائل فيهم ( لابارك الله حج هندي (ن ) ومصري )؟ هل لأن الهند الأبعد في نظرك فلن تصل إليه أقدام المتآمرين ؟ أم لأن به قصر ( تاج محل ) الذي ربما يذكّرك بقصر الجميلة ؟ أم لأسباب أخرى من بينها أن السفر إلى الهند يتطلب بابورا ونوخذة ولنشاً وهو مافرضه عليك البدع لتكون الهند وجهة سفرك غير المرحب بها وغير المرغوب فيها ؟؟ الله أعلم .
2) لآونّ ناخوذة البابور واللنش راح
لآ وإن ـ بمعنى لكنّ ، ناخوذة ـ نوخذة كلمة فارسية تعني رب البحر أو إله البحر ويقصد بها الربّان أو القبطان ، والبابور ـ السفينة
3) ما رحت ظهران للفيدة ولا رحت شام
( الفيدة ـ تعني الفائدة ) وجاء بالظهران في مقابل الشام هنا كإحدى لطائفه فهما وجهة الباحثين عن الرزق ومرتجاهم ومحط آمالهم في ذلك الوقت وربما حتى عصرنا الحاضر فما أدق وصفه في ذلك والآ فإنه لو جاء بـ ( نجران ) في مقابل الشام لأستقام البيت ( مارحت نجران للفيدة ولا رحت شام ) وربما لن ينتقده أحد ( فالجنوب مقابل للشمال ) وهو التعبير الأسلم من وجهة نظر جغرافية بحتة لكنّ ملاسي شاعر الحكمة أجل من أن يترك لمنتقديه طريقا عليه .
4) لكن لاتكره التعطيل يابن جهاد ( التعطيل ـ عدم السفر )
5) والهجرة اصبر عليها وادر جدوالها
( الهجرة هنا يقصد بها الحياة بطولها ، وادر جدوالها ـ من المداراة والتكيف مع ما تأتي به الاقدار ) .
وأخيراً:

مات ملاسي ومات دغسان ولم يريا الهند ولم يركبا سفينة ولا لنشاً بل ولم يقد أياً منهما سيارة مطلقاً ولعلهما في نعيم أبديّ يغنيهما عن كل ذلك، نسأل الله أن يكونا وجميع آبائنا وامهاتنا كذلك ، قولوا آآآآآآآآآآآآآآمين .

وقد عرفت له قصيده نسيت إن كنت قد طرحتها في ديوانه أم لا ويضنيني البحث تروي انه كان مسافر مع جمالة وليس لديهم قوت الطريق وصادف أن احد ألجماله يحمل على جمله امرأة أشفقت عليه وأعطته كسرة خبزة وكم حبة تمر ومن إعجابه بما ناله تغنى قائلا : حكم السعودي هبانا من ولاة أمره وان هنا لك يا جوخ ورد وشي خبزه ورد على البحر ومن الليث منفاله المعني في البيت الأول واضح وفي الثاني يشير إلى قماش اسماه بشيخ البز أي القماش وهنا تتجلى عبقرية ملاسي لما سمع الرجل يتغني بالبدع وهو في آخر القافلة يمشي 0 صاح به وقال والله ما يرد على قصيدتك إلا انأ فقال : نمشي في البر ما معنا ولا تمرة وناس معهم من الصفري وشي خبزه ذا ما معه فال هب لآخوه من فاله

{ سنة التَّعْبَة وجبل أبي قبيس }
عُرف الشيخ المربي والأستاذ الوالد / علي سعد دغسان أبوعالي رحمه الله واسكنه فسيح جناته بالصدق والأمانة والأخلاص واشتهر بتلك الصفات بين عشيرته وقومه وأهله منذ مراحل شبابه الأولى ولذا كان مؤتمنا على أكثر من اسرة وأرملة وعشرات الأيتام في القرية بعد أن أسند اليه معظم القائمين على تلك الأُسَر أثناء مرضهم وقبل انتقالهم الى الرفيق الأعلى تلك المسؤلية محمِّلينه وزر الأخلال بها ، واضعين نصب عينيه مقاضاته أمام الملك الديان ومن تلك الأسر وجميعها عريقة أُسرة ( عمه عطية أبوعالي ، وأُسرة سعد بن عبد الله ، وأسرة شلح ، وعبدالله بن شويل ، والحمدان ، وآل أبوريشة ) وغيرها، فكان رحمه الله يعاني اشد المعاناة من هذا الأرث العظيم ويسعى جاهدا ليسدد ويقارب في أدائه خوفا من الله وهربا من مسؤلية الإخلال بالأمانة أو التنصّل منها ، وفي سنة ( التّعبة ) على حد تسميته لها كان عائدا ورفاقه من سفر لهم إلى الطائف ( على ظهور الدّواب ) وقبل وصوله إلى القرية جاءه خبر وفاة الشيخ صالح بن عيضة ( والد العم عبدالله أبوحسان متعه الله بالصحة والعافية ) وعلم أن الشيخ صالح أحضر رجلين في مرضه الذي توفي فيه وطلب منهما أن يبلغا دغسان اذا توفي قبل وصول الأخير إلى القرية وكّالته له على أسرته المكونة من أمرأتين وعدد من الأبناء وينقلا له شهادتهما على ذلك وبما أن الشاعر بطبعه مرهف الأحساس قادر على التعبير عما يختلج في نفسه من الم وحسرة وخلافها فقد انشد رائعته التي يستشمّ منها رائحة الهمّ والغمّ فقال :
إن كان ميّا حياة الغلب مت ياعلي
قِهرْت وانا اتحمّل لي هموم(ن) وضيق
لكنّ هذي السنه سمّيتها متعبة
يا كم لقلبي وهو متكدّر(ن) مارضي
وكل ما جيت بافيّق بدا داهية
1) ميّا حياة الغلب ــ لا مفر من الحياة المملوءة بالنّكد والتعب والمعاناة .
2) قهرت ــ تعبت وعجزت .
3) بافيّق ــ أي ارتاح .
4) متكدر ــ من الكدر وهو الضيق ،،، مارضي ــ لم يرض .
5) داهية ــ مصيبة .
وفي الرد يقول :
حلفت لو كان جلس النحل متياع لي
وفاكهه من عنب شبرا وتمر المضيق
والاّ حليب (ن) يجي يتمايل المتع به
ما يشفي الروح حتى يبري المارضي
وآذل منها تعقّب لي بدا داهيه
1) جلس النحل ــ ما يخرج من بطونها وهو العسل ،،، متياع لي ــ متاع أو طعام لي .
2) شبرا والمضيق ــ مكانان معروفان يتبعان لمحافظة الطائف ويشتهر الأول منهما باجود انواع العنب حتى وقتنا الحاضر بينما يشتهرالثاني بأحد أجود اصناف التمور .
3) يتمايل المتع به ــ يميل به المتاع المحمول على رحل الدّابة لوفرته وثِقَلِه .
4) يبري المارضي ــ يشفي المريض .
5) أذل ــ أخاف ،،، تعقّب ــ ينتج عنها أو تؤخر لي ،،، بدا دا هيّه ـ داء لا نجاة معه،،، والخلاصة أن الشاعر يبدي تخوفه من أن تلك الظروف التي كان يمر بها تتعقب له بعلة في جسده لا ينجو معها ابدا .
والملاحظ هنا أنه قال ( حلفت ) ولم يات بلفظ الجلالة ( والله ) خوفا من الحنث في القسم وتلك إحدى لطائفه .
كان لابد من هذا الطرح وهذا البسط في المقدمة للوصول إلى بيت القصيد وهو موضوع قصيدة ( جبل أبي قبيس ) التي ذاع صيتها واشتهرت بين الناس واسبابها غير معروفة للسواد الأعظم منهم ، وكما اسلفنا فقد كان دغسان مسؤلا عن كثير من الأرامل والأيتام في القرية ومن بينهم أسرة عمه عطية رحمه الله، وقد كان لعطية المعني أخت تدعى ( رحمة ) وهي جدّةُ محدثكم أخت جده لأبيه سعد وجدته لأمه ووالدة أخواله كل من ( سعيد السروري ، وعلي بن قسقس ، والعبادي الكبير ) عليهم جميعا رحمة الله وقد إقترحّت رحمة المشار إليها أن يتزوج ابنها ( علي ّ ) من ابنة أخيها عطية ( والدة العبادي وبقية إخوته مسفر وعبدالرحيم وأحمد وعبدالقادر وشقيقاتهم ) رحم الله العبادي وبارك في إخوانه وأخواته جميعا وذلك على زوجته الأولى التي لم يرزق منها بأبناء وهي من بيت ( بن ناصر ) من رحبان ،
ومن المفارقات العجيبة أن الذي أملك للخال عليّ رحمه الله على زوجته الجديدة شقيق زوجته الأولى الشيخ محمد بن ناصر ( توفي رحمه الله في مدينة الخرج بعد أن استقر بها ) دون أن يكون في نفسه أدنى غضاضة من إقدام رحيمه على الزواج على أخته على عكس ما كان عليه أهل الديرة في ذلك الوقت وربما حتى وقتنا الحاضر لكنّ ذلك سببه ( العلم الشرعي ) الذي تفرد به بيت آل بن ناصر وخصوصا الشيخ محمد عليه وعلى بقية إخوته رحمة الله ،
المهم أن دغسان رحمه الله وافق بصفته ولي أمر الفتاة على رغبة عمته بعد أن استشار والدة العروس وكل من له علاقة بالأمر مشترطا على جميع الأطراف عدم افشاء السرّ حتى يتدبر أمره ويتحيّن الوقت الملائم لأظهاره على الملأ منعا للاحراج لكنّ الظروف اتت بعكس ما كان يشتهي بحكم أن المجتمع القروي صغير ويتسرب فيه الخبر بسرعة البرق فانكشف المستور وظهر الأمر على السطح فرافقه بعض اللغط فقال عليه رحمة الله منتقدا من لم يوف بوعده :
علي يقل بوس بك ياذا لعهده باق بيس

يضل عقله وخلق الله عنّه بيتنور

بوصيك لا تصحب اللي جاه في عقله خليل

وراعي الجهل بالمشعاب الى هاج ارمعه
1) بوس ــ بمعنى ( بئِسَ ) وبئس فعل ماضي جامد يدل على الذم بمعنى قَبُحَ وعكسه نَعْم في سياق المدح ،،، ياذا لعهده ــ يامن قطع على نفسه عهداً ،،، باق ــ نقض العهد وأخلّ بشروطه ،،، بيس ــ لو أن الفعل بئس فعلا غير جامد لقلنا أن بيس الأخيرة مفعول له مطلق على رأي إخواننا أهل اللغة وهي من وجهة نظري كذلك لكنها أتت بلهجتنا المحلّيّة الدّارجة وليس الفصحى.
2) يضل عقله ــ يفقد صوابه ،،، خلق الله ــ المقصود بهم البَشَرْ ،،، بيتنور ــ أي سوف تتنحى عنه الخلائق وتبتعد لقبح فعاله .
3) لا تصحب ــ لاتصاحب ،،، جاه في عقله خليل ــ اصابه خلل في عقله .
4) المشعاب ــ عصى غليظة معكوفة الطرف ،،، الى هاج ــ إذا بداء التصرف الأهوج غير الحكيم ،،، ارمعه ــ أي اضربه حتى يكفّ عن جهله .
بما أن البدع يحتوي على مفردات تستحث المتصدر للرد على الأتيان بذكر بيت الله الحرام وخليل الله ابراهيم وزوجته هاجر عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم فقد كان ملاسي خير من يوكل إليه هذا الأمر وهو الذي عشق بطحاء مكة وحرثها طولا وعرضا ذهاباً وجيئةً أكثر مما فعله بها أهلها لذا فقد بعث إليه دغسان ببدعه ليأتي رد ملاسي على ما تشتهيه النفس فقال طيب الله ثراه :
إن الحَجَرْ جابه الله للنبي من باقبيس
موضوع أمانة وحطّه ربنا للبيت نور
هاذي مسائل إلاهيّة كرامة للخليل
ذا حطّ ولّده على زمزم وهِبْ هاجر معه
1) النبي ــ يقصد به خليل الله إبراهيم عليه السلام ،،، الحَجَرْ ــ الحجر الذي كان يرتقي عليه إبراهيم ليتمم بناء البيت بعد أن علا البنيان وهو الذي عليه آثار اقدامه عليه السلام والمعروف بمقام إبراهيم ،،، باقبيس ــ جبل أبوقبيس المحاذي للصفا .
2) حطّه ــ وضعه ،،، للبيت نور ــ علامة، قال تعالى ( فيه آيات بينات، مقام إبراهيم ).
3) هاذي ــ هذه ،،، مسائل الاهيّة ــ اختصاصات ربانيّة اكرم الله بها نبيه وخليله إبراهيم .
4) ولده ــ أي ولد ابراهيم اسماعيل عليه وعلى أبيه السلام ،،، هب هاجر معه ــ وضع معه أُمّه هاجر على بئر زمزم قبل أن يقفل عائداً إلى بلاد الشام .
رحم الله من اتينا على ذكره في هذه السيرة العطرة حيا كان او ميتاً وأسكننا وإياه فسيح جناته، وسبحانك اللهم وبحمدك استغفرك اللهم واتوب إليك .

جمعها وصاغها سعادة اللواء/ محمد بن عبد الله أبو عالي الغامدي .جهد جبار وفقه الله .عن منتديات ساحات وادي العلي

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى