الأدب والتاريخ

الرحلة رقم 163 ! قصة طائرة السعودية المنكوبة واختناق واحتراق جميع ركابها الـ 301 راكب. يرحمهم الله المسلمين

في الفترة الاخيرة جالس ابحث عن حوادث الطيران كثير .. وانصدمت في حادثة غريبه  ومحزنة جدًا ولا سبق قريت او سمعت عنها وحبيت اسردها لكم. ثريد .. رحلة ال -  Twitter thread
رحلة إلى آخر العمر!
سمعت وقرأت عن الطّائرة التي احترقت في مطار الرّياض القديم عام 1400، حيث هبطت ثمّ اشتعلت بها النّيران، ومات كلّ من فيها-رحمهم الله- اختناقًا بالغازات السّامّة، بيد أنّ ما كنت أسمعه وأقرأه ليس إلّا نتفًا متفرقة، وأشتاتًا لا تعطي صورة كاملة أو واضحة عن هذا الحادث الجلل.
وعلى هامش عزاء محافظ الرّس الأستاذ محمّد العبدالله العسّاف -رحمه الله-، عرفت عن صدور كتاب حول هذه الواقعة، عنوانه: الرحلة 163: قصة عودة طائرة السعودية (HK) إلى مطار الرياض القديم ووفاة جميع ركابها، تأليف الكاتب والباحث منصور بن محمّد العسّاف، وصدرت طبعته الثّانية في ديسمبر عام 2017م بعد عشرة شهور من ظهور طبعته الأولى عن دار مدارك للنّشر، ويقع الكتاب في (331) صفحة، وريعه لصالح جمعيّة الأيتام، والمؤلف على وشك إصدار طبعة ثالثة مزيدة؛ وذلك من حرصه ونصحه ودأبه.
يتكوّن هذا العمل الاستقصائي المتقن من إهداء، فشكر وتقدير، ثمّ مقدمة يتبعها تمهيد، ويعقبها ثمانية فصول عناوينها: صالة المغادرة، عودة طارئة، ضحايا الرّحلة، مصير الطّائرة، على جناح الحدث، مالم يقله الصّندوق، قراءة ختامية، الصّورة والحدث، وأخيرًا المراجع.
وقد صرم العسّاف سبعة أعوام من الجهد والمتابعة، وجمع الشّهادات وفحص الوثائق، ومقابلة أصحاب الشّأن، والمقارنة مع حوادث شبيهة، ثمّ دفع بكتابه إلى المطبعة؛ ليطلع القرّاء على حادثة عاصرها أناس هم الآن أشياخ، وربّما يذكرها أو سمع خبرها مكتهلون حاليًا، وأمّا شبابنا ومن دونهم فلم يعلموا عنها من قبل غالبًا، وإنّ هذا الجهد لحقيق بالاحتفاء، مع الشّكر للمؤلف، ولجميع الشّهود خاصّة الإعلامي والتّربوي خالد الحسيني، وأهالي الضّحايا، والمهندس أحمد الرّويلي.
وصف الكاتب المشهد المفزع بداية من اكتشاف الخلل، والتّواصل مع برج المراقبة، ثمّ عودة الطّائرة، وهلع الرّكاب، وانتشار الدّخان، فاتساع رقعة الّلهب، إلى حين الهبوط، وفتح الأبواب بعد مغامرات وصعوبات، وصولًا إلى منظر الجثث، والموت الجماعي على هيئة آخر حركة، واحتضان الأمهات لصغارهنّ، انتهاء بثلاجّات الموتى التي كادت أن تودي بضحيّة جديدة أثناء محاولات التّعرف على الأموات، وهي محاولات أعان عليها ساعات، وأقلام، ومجوهرات، وأسنان ذهبيّة.
ورصد المؤلف الأحداث بعد الفراغ من الموتى سواء من عُرف منهم فأكملت إجراءاتهم، أو الذين كانوا من المجهولين وعددهم (131) متوفى، حيث جهزوا للصّلاة الجماعيّة والدّفن الفردي لاحقًا، في يوم أعاد للحادثة حضورها وألمها، وروى الأستاذ منصور أحزان موسم العزاء، والتّفاعل الرّسمي والشّعبي مع هذا المصاب، الذي عبّرت عنه الحكومة بعزاء وتعويض مالي، وكذلك صنع النّاقل الجوي، وجادت قرائح الشّعراء بالرّثاء والبكاء، ومنهم الشّاعر والوزير عبد الله بلخير، الذي وصف محنة الفقد التي حلّت ببعض أقاربه وبآخرين حتى غدا المأتم عامّاً، فقال:
فنحن جميعًا في المصاب قبيلة ****** إذا ضاق باكيها ببلواه حوقلا
والحقيقة أنّي حين قرأت الكتاب لم أستطع تركه؛ وفرغت منه خلال ساعات، وكنت حينها أعيش المشهد بأنينه وضجيجه وبكائه وارتباكه، وأسأل نفسي عن شعور ركاب الطّائرة، وبماذا كانوا يفكرون خلال هذه الّلحظات العصيبة، وأيّ أمنية كانت الأقرب لنفوسهم، وإنّ مجرّد الخيال لمروّع؛ فكيف بمن ابتلي به، والله يجعل ذلك لهم تكفيرًا وأجرًا.
ثمّ استعرض المؤلف بتتبع بارع، وقلم رشيق، قصص المسافرين، سواء منهم من ساقه القدر إلى رحلة الموت، أو صرفه عنها، ويالها من عبرة؛ فكم من لاهث خلف أمنية الصّعود، مجتهد في بلوغها، دون أن يعلم أنّه إقبال على الآخرة! وكم من ساخط من تغيير رحلته أو فواتها؛ وما علم أنّ الحياة قد كتبت له من جديد! فسبحان مقدّر الأقدار والعالم بها، وبما تخفي وراءها، وما أعجل الإنسان، وأهلعه، وأجهله.
ومن أعاجيب هذه الرّحلة، أنّها ضمّت ركّاب ثلاث رحلات مختلفة، وبعض من كان فيها أخرج منها إلى غيرها، وسيق إليها آخرون لم يكونوا على متنها أصلًا، وبعض من سافروا على رحلات سابقة أو لاحقة، ذهبت أمتعتهم مع الطّائرة المنكوبة التي سلموا منها.
ومن قصص النّاجين، أنّ موظفًا في الخطوط السّعوديّة انسحب من الرّحلة في آخر لحظة، وسافر على طائرة خاصّة، وبقي اسمه مسجّلًا، فهو ميّت حسب الأوراق؛ لكنّه حي يرزق في الواقع؛ ممّا أدهش مسؤولي الشّركة. واستغرق آخران في النّوم؛ ففات عليهم الدّخول من البّوابة، وكانت غفوتهما خيرة لهما، وظلّ أحدهما ثلاثين عامًا بعد هذه الحادثة، وهو صائم عن ركوب الطّائرات لهول ما شاهده.
واستسلم شاب للمروءة، فتنازل عن بطاقات صعوده هو وعائلته الصّغيرة لثلاثة من كبار السّن، وأخذ مكانهم في رحلة متأخرة، فكتبت له السّلامة، بينما مات الأشياخ الثّلاثة، وكاد أربعة من موظفي الخطوط السّعودية أن يكونوا آخر ركاب الرّحلة بسبب تأخر عائلة سودانية مكوّنة من أربعة أشخاص ورضيعين؛ وفي الثّواني الأخيرة أتى بأهل السّودان أجلهم، وسلم الشّبان الأربعة.
ومن المفارقات أنّ شيخًا مسنّاً أغضبه التّأخير فأعطى بطاقة صعوده لراكب آخر، ويالها من غضبة مباركة، إذ أصبح هذا الشّيخ آخر ناج من مصير الطّائرة، علمًا أنّه نفسه كان آخر ناج من العدوان على الحرم في مطلع المحرّم 1400، فسبحان من جعله آخر النّاجين في مستهل العام، وآخر النّاجين في خواتيمه.
من مفارقاتها أيضًا أنّ إعلاميًا أعدّ حلقات عن حوادث الطّائرات؛ فجاء به يومه المحتوم ليكون من ضمن ركاب الطّائرة المحترقة، مع أنّه دخل للمطار دون حجز مسبق، واعتمد على علاقاته. ومن الصّدف أنّ بعض الركاب غادر الدّنيا، وأزواجهم تحمل في أحشائها جنينًا خرج إلى الحياة يتيمًا يحمل نفس اسمه أبيه الرّاحل وذكراه.
أما موافقات الرّحلة فمنها أنّ أبناء عدد ممن كانوا فيها قد التقوا بعد عقود في عمل مشترك، أو زمالة، أو دراسة، وحين تقاربوا أكثر استبان لهم أنّهم أبناء رجال ونساء احترقوا معًا ذات ليلة في طائرة رابضة في مطار قديم، ومن ضمن هؤلاء أنجال قائد الطّائرة وآخرين، وبعضهم درس علم الطّيران وأصبح طيّارًا، وكم في بقيّة السّيف من بركة ونمو!
ووقعت هذه الحادثة في يوم ثلاثاء وهو يوم حوادث سابقة ولاحقة، محليّة ودوليّة، وكانت في تواريخ يظهر فيها كثيرًا الرّقم (8)، والرّقم (19)، ووافق يومها الميلادي أيامًا عالمية خاصة بالتّصوير، والعمل الإنساني، والطّيران، وذكرى ميلاد أحد علماء الطّيران.
وعلى إثر هذه الفاجعة أقامت بعض الأسر عزاء عاجلًا لبنيها، بيد أنّ العزاء انقلب إلى فرح حين عاد هذا المتوفى افتراضيًا؛ لأنّه لم يكن على الرّحلة لسبب أو آخر. ومن آثارها تأخير عدد من مناسبات الزّواج التي كانت ستقام في موسم الأعراس المعتاد، كما اجتمع لدى بعض البيوت مهنئون بزواج ومعزون في ذات الوقت، وألغيت ثلاث مناسبات زواج لأنّ الطّبيب الزّوج كان من الرّاحلين إلى الدّار الاخرة، كما رحلت عروسان كانتا بصحبة أخواتهما وأخيهما.
كذلك من أخبار الرّحلة التي تحمل عبرًا كثيرة، أنّ رجلًا صالحًا من أهل اليمن فقد زوجه وستّاً من بنيه، وحين علم استرجع وإن غمرت نفسه الأحزان، وبعد إصرار ذويه تزوج، وأنجب ستة أولاد وبنات، بنفس ترتيب الرّاحلين، وأسماهم بذات الأسماء، وعاش معهم ثلاثين عامًا.
ومن فواجع الرّحلة أنّ أسرة رزئت ببعض رجالها من عدّة أجيال، وكانت عادة كبيرهم تفريق أبنائه على رحلات متتابعة كفعل يعقوب عليه السّلام مع بنيه، لكنّ ترتيبه وتخطيطه انهار أمام القدر، حين جمعت ثلاث رحلات في طائرة واحدة، وجاء الموت يسعى إلى بيته في لحظة واحدة، والنتيجة خمس أرامل، واثنان وعشرون يتيمًا.
بينما قضى في الطّائرة رجل وزوجتاه وسبعة من أطفاله، وكان قد أرسل ابنه اليافع إلى جدّة برًا، وهو خائف على مصير هذا المراهق من صعوبة طريق الحجاز البري، لكنّ الله قدّر له أن يسلم ويعيش، بينما غادر الحياة جلّ أهله في لحظة واحدة، كما غادرها أربعة شباب كانوا أصدقاء وجيران في حي جرول بمكة شرفها الله، وسافروا للرّياض لذات الغرض؛ وانتهت حياتهم معًا.
وانتصر المؤلف لقائد الطّائرة الماهر، ولمساعده المخلص، بعد بحث مضن، وسؤال المختصين وأهل الخبرة، ووقوف مع التّحقيقات وإجراءات السّلامة، ومراجعة لمحتوى الصّندوق الأسود، وروايات الّلحظات الأخيرة. وأضاف الكاتب بعض المقترحات للسّلامة وإدارة الأزمات، وآمل أن يكون قد أخذ بها وبغيرها، وألمح الكاتب العسّاف وصرّح غير مرّة، بأنّ التّحقيقات والبيانات تحاشت توجيه أيّ اتّهام للشّركة المصنّعة بالقصور؛ مع تكرار حوادث طائراتها، وكم من تحقيق كان إلى التّضليل أقرب، وكم يحجب المال والجاه من حقائق إلى أن يشاء الله بيانها وتجليتها.
ومع ذكرى (301) راكب، هم ضحايا الرّحلة رقم 163، وهم جميع من كان فيها من مسافرين وملّاحين، الذين كتب عليهم الموت بعد عشاء يوم الثّلاثاء التّاسع من شهر شوال عام 1400 حسب رؤية الهلال، الموافق للتّاسع عشر من شهر أغسطس عام 1980م، لنسأل الله لهم الرّحمة، وأن يطرح البركة في ذويهم كي يكونوا من آثارهم الصّالحة، وأعمالهم الباقية.
كما نتمنّى أن تتاح الفرصة للباحثين والدّارسين من أهل البلد، ويمنحوا من الفرصة للاطلاع، والسّؤال، والتّنقيب، كي يخرجوا لنا بما يرونه من مقترحات نافعة للمستقبل، منطلقة من أحداث الماضي، فهم أصدق وأخلص من الأجانب الذين يكرمون أحيانًا بتسهيلات يحلم بجزء منها كثير من الباحثين الجادين.
أحمد بن عبدالمحسن العسَّاف-

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

أبها: محمد الدعفيس

يوثق كتاب «الرحلة 163» الصادر عن دار مدارك للكاتب منصور بن محمد العساف رحلة الخطوط الجوية العربية السعودية رقم (163) عام 1980، مقدما دراسةً وتوثيقًا وبحثًا استقصائيًّا حول تداعيات ما حدث للرحلة، التي ما زالت تقارير الطيران المدني تقف حائرةً أمام تناقض النتائج وغموض المعلومات وندرة الدراسات والتقارير الخاصة بها.

وتسجل رحلة السعودية (163) إلى يومنا هذا كواحدةٍ من أكبر حوادث الطيران المدني وأكثرها غرابةً، ولأنها سُجِّلت -في وقتها- كأكبر حوادث الطيران المدني احتراقًا، وثاني أكبر حادثةٍ لطائرةٍ فردية، إضافةً إلى ما يكتنفها من غموضٍ.

كل ذلك استدعى قراءة الحدث من جديدٍ للوقوف على حقيقة ما جرى من خلال العودة إلى التقارير الرسمية وغير الرسمية للحادثة، والعمل على جمع المعلومات من مصادرها الموثوقة والمراجع المعتبرة، ومقابلة شهود العيان من المختصين وذوي الشأن، وهو ما استغرق جهدًا قارب السبعة أعوام، حاول الباحث من خلالها جمع المعلومات المتباينة، وربط الروايات المتناقضة، وإعادة قراءة الحادثة من زوايا متعددة، مستندا في الحديث عن الجوانب الفنية للمختصين والفنيين، ليعمل على ربط الأحداث واستخلاص النتائج بعد التحقق من مصداقية المعلومات المتوفرة، وهو ما زاد من أمد الفترة الزمنية للبحث، لاسيما أنه في كثيرٍ من الأحيان وقف حائرًا أمام معضلة ندرة المعلومات وبُعد العهد بالحادثة.


 

حوادث سابقة

تزامنت الرحلة مع ظروف خاصة سبقتها، منها اقتحام فئةٌ مسلحةٌ يقرب عدد أفرادها من (200) شخص الحرمَ المكيَّ الشريف، وأغلقوا أبوابه لمدة 15 يوما بحجة ظهور المهدي المنتظر، ما أحدث سخطًا وغضبًا عارمًا في أرجاء العالم الإسلامي، إلى أن استطاعت السلطات المحلية القبض على الجماعة المسلحة، ونفذت فيها حكم الإعدام بعد التحقيق والمحاكمة.

كما سبقتها قيام الثورة الإيرانية التي تلتها الحرب الإيرانية العراقية، واجتياح روسيا لأفغانستان، وتداعيات كامب ديفيد، وانقلاب بتركيا بقيادة الجنرال كنعان إيفرين.


 

الرحلة (163)

بعد مغرب الثلاثاء 8 شوال 1400 (19 أغسطس 1980) استقبل مطار الرياض الدولي القديم رحلة الخطوط السعودية القادمة من مطار (جناح) في كراتشي الباكستانية، والتي حطّت رحالها في الرياض «ترانزيت» بعد أن غادرت مطار كراتشي في الساعة (4:32) مساءً، وعلى متنها 84 راكبًا، منهم (71) باكستانيًّا والباقون من جنسياتٍ أخرى، ونزل عدد من هؤلاء الركاب في مطار الرياض، فيما واصل أكثرهم الرحلة إلى جدة.

وبعد 2.43 ساعة وصلت الرحلة إلى مطار الرياض الدولي، أي عند الـ7.06 بتوقيت الرياض، وكان المخطط لها أن تقلع بعد 2.02 ساعة إلى مطار جدة الدولي برحلة تحلق على ارتفاع (35000) قدم، وبحمولة كاملة من الركاب الذين بلغ عددهم (287) راكبا منهم 8 أطفال رضّع كانوا في أحضان أمهاتهم، أي أنهم بلا مقاعد، إضافة إلى (11) ملاحا، و(3) هم طاقم القيادة في الطائرة، ليصبح العدد الإجمالي (301)، قرابة 60% منهم سعوديون والبقية من باكستان تقريبا.

كان إجمالي عدد الأطفال الرضع بالإضافة إلى الصبيان (38) طفلاً وأكثر من 40 امرأة.

صدر بيان أول ليلة الحادثة تحدث عن وفاة (265) راكبا قبل الإعلان الإلحاقي في اليوم التالي، الذي ذكر أن جميع من كان على متن الطائرة كانوا في عداد الموتى وعددهم (301).

وحين كانت الطائرة على بعد (78) ميلا وبارتفاع (22400) قدم عادت بعد أن أبلغت برج المراقبة الجوية بالرياض بوجود دخانٍ على متنها، وطلبت العودة لمطار الرياض في تمام الـ9.20.12، أي بعد الإقلاع بـ12.12 دقيقةً، وأثناء العودة وعلى بعد 40 ميلاً تمّ الإبلاغ من قبلها لبرج المراقبة الجوية بمطار الرياض عن وجود حريقٍ في آخر مقصورة الركاب، كما أبلغت القيادة عن تصلب الذراع الخاص بالمحرك رقم (2) الموجود في ذيل الطائرة، حيث أصبح المحرك عالقًا لا يستجيب لأوامر قائد الطائرة، وكان ذلك عند الـ9.25.24، لتهبط الطائرة على مدرج مطار الرياض عند الـ9.36.24، وتقطع المدرج الرئيس ثم تستدير استدارة كاملة، لتتوقف في نهاية المدرج وتحترق وسط أرض المطار، لتسجل هذه الحادثة كأكبر حادثة طيرانٍ أرضيٍّ في وقتها.

 

الأقدار تتدخل

عصر الثلاثاء 8 شوال استقبل مطار الرياض الدولي القديم طائرةً سعوديةً قادمةً من طهران، هبطت «ترانزيت» على أن تكمل رحلتها إلى جدة، ونزل قرابة (32) راكبًا إيرانيًّا إلى صالة مطار الرياض، بعدها وصلت طائرة الرحلة (163) قادمة من كراتشي الباكستانية، والتي ستكمل مشوارها إلى مطار جدة الدولي بعد قرابة ساعتين أيضًا.

كانت صالة المغادرة في مطار الرياض تكتظّ بالمسافرين، وحينذاك خرج مشرف الصالة عبدالرحمن الصبيحي من مكتبه، وشاهد الزحام الشديد وسط صالة المغادرة، فطلب من زملائه إلحاق معظم العوائل المسجلين بالرحلة (163) بالطائرة التي قدمت قبل ساعتين من طهران، وفعلًا نجا عددٌ كبيرٌ من النساء والأطفال بأمر الله وحفظه.

بيد أن عددًا آخر من الركاب أُلحق بالرحلة (163) رغم أن حجزه لم يكن عليها، فبعد أن فرغت مقاعدها تم ضم عددٍ كبيرٍ من الركاب في هذه الرحلة.


 

حجز التذاكر

كان مقعد الراكب علي بن مسعود بن مسفر الغامدي مؤكدا على رحلة السعودية رقم (163)، واستقل الشاب عليّ بصحبة زوجته وابنته (3 سنوات) السيارة بمعية والده، الذي حرص على إيصالهم للمطار، وهناك وأمام الموظف المختص بمنح بطاقات الصعود إلى الطائرة كان هناك ثلاثة رجالٍ من كبار السنّ يرغبون بالسفر إلى جدة وكانوا على عجلةٍ من أمرهم، وطلبوا من موظف الخطوط إلحاقهم بأقرب رحلةٍ متجهةٍ إلى جدة، فطلب الموظف من الغامدي منحهم تذاكر بطاقات صعودٍ للطائرة على أن يلحقه بالرحلة التي تليها، والتي من المزمع أن تقلع بعد قرابة ساعة، وفعلًا وافق الشاب.

بعد نصف ساعةٍ أخذت الحركة في مطار الرياض تبدو ملفتةً للأنظار، يقول الغامدي: كنت قد أخبرت أحد أقاربي في مطار الرياض، لتسهيل بعض الإجراءات، وفعلًا استقبلني في المطار وحين علم بتأكيد حجزي ودّعني وبقيت مع والدي وعائلتي في صالة المطار بعد أن استبدلت تذكرتي بالرحلة التي تلي الرحلة (163)، وبعد قرابة نصف ساعةٍ رأيته يجوب صالة المطار، وما أن وقعت عينه عليّ حتى ضمني، وهو يقول: حمدًا لله على سلامتك، حينها عرفت القصة كاملةً.


 

إغفاءة الحياة

كان عبدالعزيز بن عبدالله المشعل يحمل تذكرته وكرت وبطاقة صعود الطائرة بيده، وكان حجزه مؤكدًا، إلا أنه استسلم في صالة المطار لإغفاءة قصيرة، استفاق أفاق بعدها ليجد الطائرة قد أقلعت، وبينما هو يعاتب موظفي الخطوط لعدم تنبيهه عادت الطائرة أمام ناظريه لتحترق بمَن فيها، ويكون هذا الموقف العصيب سببًا في عزوف هذا الرجل عن ركوب الطائرات إلى حين وفاته.

 

رفض الركوب

في موقعٍ آخر من صالة المغادرة، كان لسليمان بن عبدالله قصةٌ أخرى، فقد كان هذا الرجل في متوسط العمر، وكان قد طلب التقاعد المبكر من عمله، وفعلًا تمّ له ذلك، لاسيما أنه كان أحد رجال الأعمال النشطين، كما كان والده عبدالله بن سليمان أحد الوجهاء في مكة المكرمة.

حمل سليمان حقائبه وبعض أوراقه متجهًا إلى مطار الرياض القديم، وكان على موعدٍ مع رحلة الخطوط السعودية رقم (163)، وفي صالات المطار أدخل حقائبه مع أمتعة الرحلة (163)، وحصل على بطاقة صعود الطائرة، إلا أنه سرعان ما رفض السفر في هذه الرحلة بعد أن أبلغ بضمّ بعض الركاب في الرحلة التي قبلها وربما تغيير موعد إقلاعها.

استقلّ سليمان سيارته وذهب إلى مكة المكرمة، ولم يعلم أبدًا بمصير الطائرة، وفي ساعةٍ متأخرةٍ من الليل وصلت أنباء احتراق طائرة «الترايستار»، واستطاع والده أن يتأكد من مستجدات ما حدث في مطار الرياض، وكان على علمٍ بموعد رحلة ابنه سليمان، وتأكّد أيضًا من وجود اسمه ضمن ركاب الرحلة (163)، هنا كانت الصدمة حيث خيَّم الحزن على أسرته.

وفي سيناريو مشهد تكرر عدة مراتٍ مع ركاب هذه الرحلة، وقف سليمان في الغد يطرق باب منزل والده الذي انقلبت أحزانه مسرّات، كما انقلب مأتم العائلة إلى فرحةٍ لا توصف، أنست الجميع مصيبة سليمان في فقدان حقيبته التي تحوي أوراقًا تجاريةً مهمة، اضطرت العائلة تعويض أصحابها بمبالغ طائلة، ويقدر الله سبحانه أن يبقى سليمان يحكي قصته مع رحلة السعودية رقم (163) لأبنائه وأحفاده إلى أن توفي عام 2002.


 

غفوة الانتظار

نبيل رضوان موظفٌ في الخطوط الجوية العربية السعودية يعمل في مطار الرياض، وأثناء الحادثة كان يتمتع بإجازته السنوية في جدة، بيد أنه اضطر للسفر إلى الرياض لإنهاء عملٍ خاصٍّ به، وفي صباح الثلاثاء 8 شوال طلب من زملائه البحث له عن أقرب حجزٍ للعودة إلى جدة، وفعلًا تأكّد له الحجز على الرحلة (163) التي من المزمع أن تقلع من مطار الرياض عند الساعة الـ11، وكان قد طلب من زملائه البحث له عن رحلةٍ أقرب، كي يعود في ساعةٍ مبكرةٍ، لكنهم طلبوا منه أن يضمن حجزه في طائرة الساعة الـ11، وإن تهيأت لهم الفرصة في ضمّه لرحلةٍ قبلها فسوف يخبرونه.

كان اسم نبيل رضوان من بين أسماء ركاب الرحلة (163)، لقد وجد له زملاؤه في الخطوط مقعدًا شاغرًا، وأبلغوه قبل إقلاع الرحلة بقرابة ساعة، وتمّ تسليمه بطاقة الصعود إلى الطائرة، وحين أُبلغ بموعد إقلاعها فضّل أن يستريح في مصلى صالة الركاب، وهناك وضع حقيبته اليدوية واستلقى في باحة المصلى. كان الجهد والتعب قد بلغا منه مبلغه، فهو لم ينم منذ ساعاتٍ طويلة، كما أنه كان في المطار منذ الظهر، وعاد إليه باكرًا علّه يجد رحلةً أقرب من رحلته التي تمّ حجز اسمه عليها. وقبل الإعلان الداخلي عن موعد صعود الطائرة،، كان قد غرق في إغفاءةٍ، ولم يصحو منها حتى بعد إقلاع الطائرة التي عادت إلى أرض المطار لتحترق أمام أنظار الجميع، وفي الوقت الذي كان فيه النداء الداخلي في صالة المطار يكرر نداءاته ويطلب من نبيل رضوان مراجعة إدارة المطار، ظلّ نبيل غارقًا في نومه، وبعد عدة نداءاتٍ، وبعد قرابة ساعتين من وقوع الحادثة صحا ليتجه مسرعًا إلى بوابة السفر وتفاجأ هناك بزملائه وهم يعانقونه ويحمدون الله على سلامته.


 

أثناء الرحلة

أقلعت طائرة الخطوط الجوية العربية السعودية من مطار جناح بكراتشي في تمام الساعة 4.32 مساءً، وبعد مرور 2.34 ساعة، هبطت في مطار الرياض بعد رحلةٍ طبيعية، وبعد 1.44 ساعة مكثتها في المطار، غادرت البوابة عند الـ8.50 مساء، أي بعد 1.44 ساعة من هبوطها، لتستمر في المدرج قرابة 18 دقيقة، حيث كان المدرج حينها مزحوماً لتقلع في تمام الـ9.08، أي بعد هبوطها بـ2.02 ساعة، واستمرت في عملية الإقلاع دونما دون أن يلحظ قائدها ومساعده ولا حتى المهندس الجوي أو ملاحو الطائرة أو الركاب أي طارئ، إلى حين مرور 7.9 دقائق، حيث ظهر دخان أسفل ذيل الطائرة.

استغرق التأكد من وجود الخطر 4.21 دقيقة وفق التقرير النهائي للحادثة، والحقيقة أن مرحلة الإقلاع ومن ثم التأكد من وجود الأدخنة استغرقت 12.12 دقيقة، وكانت الطائرة على ارتفاع (22400 قدم)، حينها طلبت قيادة الطائرة من البرج الإذن بالعودة، بعد أن قطعت (78) ميلًا، وأثناء العودة وعند الـ9.25.26 على بعد 40 ميلًا أكدت قيادة الطائرة للبرج وجود حريقٍ على متنها، حيث شوهدت ألسنة النار في الذيل أسفل مقصورة الركاب، وفي الـ9.36.24 هبطت الطائرة على المدرج الرئيس واستمرت بالسير عليه إلى أن وصلت إلى الممر الفرعي الأخير ثم التفت بـ(180) درجةً خارج المدرج على الممر الفرعي، كما تفعل في الأوضاع الطبيعية.

وبحلول الـ9.38.56 توقفت، وكان يفترض أن يتزامن توقفها مع عملية إخلاء الركاب وفتح الأبواب من قبل ملاحيها، إلا أن شيئًا من هذا لم يحدث، كما كان من المفترض أن يتزامن ذلك مع مداهمة رجال الإنقاذ لجسم الطائرة في محاولةٍ لفتح الأبواب المغلقة، إلا أن ذلك -أيضًا- لم يكن بمقدور رجال الإنقاذ الذين يحيطون بالطائرة، والذين تصور المحادثات الأرضية حقيقة ما دار بينهم وبين برج المراقبة الجوية الذي كان على اتصالٍ بقيادة الطائرة، إذ لم يستطع هؤلاء المنقذون اقتحام الطائرة، حيث ما زالت محركاتها تعمل ولم تنطفئ إلا بعد مرور 3.15 دقائق من توقفها وليس من هبوطها، وهي مدة طويلة جدا.

عن الوطن

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى