الأدب والتاريخ

الأعرابي الناقد

الأعرابي الناقد .. عن كتاب زهر الآداب وثمر الألباب للحصري القيرواني ..
قال بعضُ الرواة: كنّا مع أبي نصر رَاوية الأصمعي في رياضٍ من المذاكرة نَجْتَني ثمارَها، ونَجتَلي أنوارَها، إلى أن وقف بنا أعرابي فسلم، فقال: أيكم الأصمعي؟ فقال: أنا ذاك، فقال: أتأذنون بالجلوس؟ فأذِنا له، وعجبنا من حُسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب. قال: يا أصمعي، أنتَ الذي يزعمُ هؤلاء النَفر أنك أثقبهُم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟ قال الأصمعي: فيهم مَنْ هو أعلم مني، ومَنْ هُوَ دوني، قال: تنشدونني من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسَهُ على شعر أصحابنا؟ فأنشده شعراً لرجل امتدح به مسلمة بن عبدَ الملك:
أمَسلمَ، أنتَ البحرُ إن جـــاءَ واردٌ … وليث إذا ما الحربُ طارَ عُقابُها
وأنت كسيف الهنْدُوَانِيّ إن غدَت … حوادثُ من حـــربٍ يعب عُبابها
وما خُلِقت أُكْرومَةٌ في امرئٍ له … ولا غــايـة إلــاّ إلــيــك مَــآَبـُها
كــأنــك ديَّــانٌ عــلــيــها مُــوَكَّلٌ … بها، وعلى كفيك يَجرِي حِسابُها
إليك رحلْنَا العِيسَ إذ لم نجد لها … أخــا ثــقــة يــرجَــى لديه ثوابُهَا
قال: فتبسَّم الأعرابي، وهزَّ رأسه، فظننا أن ذلك لاستحِسانه الشعر، ثم قال: يا أصمعيّ، هذا شعرٌ مهَلهل خَلَق النسج، خطْؤه أكثر من صوابه، يغطي عيوبَه حسن الرَوِيِّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتُدح بالأسد، والأسد أبْخَر شَتيم المَنظَر، وربما طرده شِرْذِمَة من إمائِنَا، وتلاعَب به صبياننا، ويشبّهونه بالبحر، والبحرُ صَعْبٌ على مَن رَكبه، مُرّ على من شربه، وبالسيف وربما خان في الحقيقة، ونَبَا عند الضِّريبة! ألا أنشدتني كما قال صبيّ من حيّنا! قال الأصمعي: وماذا قال صاحبكم؟ فأنشده:
إذا سألت الوَرَى عن كل مكرمة … لم يُعْزَ إكرامها إلاّ إلى الهولِ
فتًى جَــوادٌ أذابَ الــمـالَ نَائِلــهُ … فالنّيلُ يشكرُ منه كثْرَةَ النَّيْلِ
الــمــوتُ يـكـره أن يلقـى مَنِيّتَهُ … في كرِّهِ عند لفِّ الخيل بالخيلِ
لوزاحم الشمسَ أبقى الشمسَ كاسِفة … أو زاحم الصُّمَّ ألْجَاها إلى الميْل
أمضَى من النجم إن نابَتْه نائبـةٌ … وعند أعدائه أجْرَى من السَّيْلِ
لا يستريـــح إلى الدنيـا وزينتـها … ولا تــراه إليــها ســاحبَ الذيْلِ
يقصَرُ المجدُ عنه في مكارمِـــهِ … كـــما يقصّر عن أفعاله قَوْلي!
قال أبو نصر: فأَبْهَتَنا والله ما سمعنا من قوله، قال: فتأنّى الأعرابي، ثم قال للأصمعي: ألا تنشدني شعراً ترتاحُ إليه النفس، ويسكن إليه القلب؟ فأنشده لابن الرِّقاع العاملي:
وناعمة تجْــلُو بعود أراكةٍ … مؤشَّرَة يَسْبي المُعانِق طِيبُها
كأنّ بها خمراً بماءِ غمامةٍ … إذا ارتشِفَتْ بعد الرّقاد غُروبُها
أراك إلى نَجْدٍ تَحِنُّ، وإنما … مُنَى كلِّ نفس حيثُ كان حبيبُها
فتبسَم الأعرابي وقال: يا أصمعي، ما هذا بدون الأول، ولا فوقه، ألا أنشدتني كما قلت؟ قال الأصمعي: وما قلت؟ جعلت فداك! فأنشده:
تَعلَّقْتُـها بِــــكراً، وعُــلِّقْت حبَّهــا … فقلبيَ عن كلِّ الورَى فارغٌ بِكْرُ
إذا احتجَبَتْ لم يكفكِ البدرُ ضوءَها … وتكفيك ضوءَ البدر إن حُجِبَ البَدْرُ
وما الصبرُ عنها، إن صبرتَ، وجدتُه … جميلاً، وهل في مثلها يَحْسُن الصَّبْرُ؟
وحسـبـُك من خمـر يفوتُك ريقُها … وواللّه ما من ريقها حَسْبُكَ الخمرُ
ولو أن جلد الذر لامَــسَ جِـلْــدَها … لكان لمسَ الذر في جِلْدِها أثْرُ
ولو لم يــكُنْ للــبَــدْرِ ضِدًّا جمالُها … وتفضله في حُسْنِها لصفا البَدْرُ
قال أبو نصر: قال لنا الأصمعي: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطرافِ المُدَى في رِقاق الأكباد! قال: وأقامَ عندنا شهراً، فجمَع له الأصمعيُّ خمسمائة دينار، وكان يتعاهدنا في الْحِين بعد الحين حتى مات الأصمعي وتفرق أصحابنا .

منقووووول

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى