الأدب والتاريخ

أوراق ريفية. للمبدع.د. عبد الله سافر الغامدي. رحلة في جمال الكلمة واستذكار الماضي القريب. وبساطة أهل الريف الملهمة.

د.عبدالله سافر الغامدي (@saffeir) | Twitter

الورقة الأولى

سقا الله بالغيث الهني مرابِعاً
شهدنَ الصبا حُباً ولهواً ومَرْتعا.

ففي السطور التالية خلجات ونفحات ؛ عن مشاهد قديمة لحياة ريفية بسيطة، التحفت الغيم والمزن، وافترشت الطل والعشب ، وعاشت مع صدح القمري، ونقنقة الحجل، وتغريدات الطيور.
هي نبضات خفيفة؛ ستنشر في عدة حلقات؛ عن الموطن الأصيل، والزمن الجميل؛ الذي صاغ طفولة ساكنيه، وصنع فتوتهم، وأخرج رجولتهم، وغرس في نفوسهم الحنان والمودة ، والتلاحم والشهامة .
القرايا ساكنتنـا لـو سكنّـا فـي المدينة
يا كثر مافي المدينة نـاس تسكنهـا قرايـا.

*****
البيوت القديمة:
تحكي تاريخ القرية القديم، وماضيها التليد، وهي اليوم منازل خربة؛ نبذت وتركت، فلا يستفاد منها ، وقد يخشى أن تكون ملاذا للمجهول، أو مأوى للفعل المذموم.
أما السبب في إهمالها وعدم تطويرها؛ فلكونها تقع في أماكن لا تصلها السيارات، أو لصعوبة توزيعها على ورثتها، أو بسبب عدم وجود مقدرة مالية على إزالتها والاستفادة منها.
فلماذا لا يتولى ملاكها تقسيمها وصيانتها والاستفادة منها؟ بل ولماذا لا يكون لدينا نظام رسمي ؛ يفيدنا في المحافظة على التراث العمراني القديم؟!

*****
أصدار القرية:
للقرية الجبلية إطلالة واسعة وجميلة على مشارف تهامة الفسيحة، وأسفل منها أصدار قديمة وعرة، شديدة الانحدار، وكثيرة المخاطر، ففيها تكثر الهوام والحيوانات المفترسة، وفيها الطرق مدرّجة بالحجارة، وبطريقة هندسية سلسة رائعة، والتي استخدمت نزولاً وصعوداً في سير الرجال والدواب، ونقل المؤن والحطب وأعلاف الماشية .
كانت هذه الأصدار تعج بحركة الرعاة ، والخلاّيه، والمحتطبين، والصيادين ، والنحالين، وكان لها صيانة مستمرة، فلا تكاد تجد حجراً في غير محله ، ولا درجاً مزعزعاً من مكانه ،ولا شجرة تُعيق ماراً في سبيله.
لكنها اليوم أضحت مهملة غير مطروقة؛ فلا يصل إليها إلا عشاق القنص، ومتسلقي الجبال.

*****
ثريات في الوديان:
وهي أعشاش العصافير الصغيرة؛ التي تتدلى في كثير من الأشجار، أو توجد داخلها، أو تراها بين الأحراش والصخور، وهي مأوى للطيور، ومحضن لبيضها، وسكن لصغارها، والتي تختار المكان الآمن من التقلبات الجوية، وهجمات الأعداء، وقريباً من مصادر الغذاء.
وفيها تقوم بحياكة عش كروي الشكل تقريباً، مكون من القش بأنواعه، وينسج بطريقة مذهلة، وبدقة عجيبة، ثم يوضع له باباً ، عبارة عن فتحة صغيرة في أسفله.
كنا بالأمس نبحث عنها، ونتابع مواقعها، ونأخذ ما فيها من أفراخ، حتى ننعم بشيها وأكلها، وأما جيل اليوم فلا شأن له بها، ولا اهتمام منه بأمرها، فقد اغتنى واكتفى، وانشغل بممارسة هوايات أخرى.

*****
ما للرفيق إلا رفيقه:
كانت النفوس في الريف متآلفة، والقلوب متوافقة، فالمعيشة واحدة، والحاجة لبعضهم قائمة؛ وبصورة دائمة، على الرغم من الفاقة، والحالة الشقية، فاللقمة كانت مقسومة، والصلة موجودة، والمساعدة مهمة مطلوبة.
وأما في عصرنا الحاضر؛ فالعقول مشغولة، والخدمة مقطوعة، بالرغم من العقول المتنورة، والجيوب الممتلئة.

*****
الأودية المهجورة:
كانت الأودية مليئة بالأشجار الباسقة، والغصون اليانعة، وكان الأهالي يكدحون ويتقاسمون الفرح والشجن فيها ، وكانت محاصيلهم جائرة وثقيلة، رفعوها فوق رؤوسهم، وعلى جنوبهم، وفوق أكتافهم، ومن الدروب الوعرة يذهبون بها إلى منازلهم.
وإن لأودية الريف تأريخها الذي لا ينسى، وحكاياتها التي لا تنتهي، لكنها اليوم مهملة مهجورة، فلم يعد للفلج والشطي والركيب من ينظفه، ولم يعد فيها أي نشاط يذكر، سوى التهام أراضيها في العمران ، وبناء المنازل.
أين الهوش والمحراث وذيك المدمسه
أين حب الحاج وسط المسقوي من يغرسه.

*****
لعبة الخفة:
من الألعاب الشعبية القديمة التي أفادت ممارسيها ، ودربتهم على البراعة في المناورة، والسرعة في المراوغة: لعبة العزيزى.
هذه اللعبة كانت تقام بين فريقين بعدد أربعة لاعبين ونحوهم، وممن يجيدون المراوغة، وسرعة الجري، وفيها يقف الفريقان متقابلين، وتبدأ المبارزة بالهجوم من واحد أو اثنين على الفريق الآخر، حتى يصل أحدهما إلى أي فرد من الخصم، ويحاول لمس يده، أو جزء من ملابسه، والملموس يحاول مسك اللامس، ويبدأ بمطارته حتى يمسك به ،وإذا أمسكه يكون قد أفقد الفريق الآخر فرداً منهم وأسره، وإذا حصل العكس؛ يتم تبادل المفقودين، وهكذا حتى يسقط أفراد الفريق في أسر الآخر.
هذه اللعبة الرشيقة؛ كانت تلعب بصفة مستمرة، وفي أوقات غير محددة، وفي مساحات واسعة، لكنها لا تخلو من إصابات في الرِّجل؛ من شوك الأرض، أو من تمزق للثياب، ونحو ذلك.

*****
غابات الريف:
للغابات قديماً أهمية حيوية في حياة الناس ، إذ كانت مصدراً لمواد البناء ، والمنتجات المصنوعة من الخشب ، كما لاتزال مصدراً لحطب الوقود، ومصدراً لأعلاف الحيوانات ، ومصدراً لغذاء النحل ، ومصدراً لحماية البيئة، وتلطيف المناخ، وتخصيب التربة .
والأمل يحدونا في إيصال طرق للسيارات إلى جميع الغابات؛ لما في ذلك من منافع عظيمة، ومحاسن كبيرة؛ إذ سوف تكون موقعاً أخاذاً للسياحة الطبيعية ، وميداناً جاذباً للاستثمار السياحي المربح.
31 ديسمبر 2015

الورقة الثانية

البيوت القديمة :
برع الآباء قديماً في بناء أبراج عالية، مربعة ومستطيلة، لها أشكال هندسية بديعة، تدل على ولعهم بالبناء، وإتقانهم له، وهي مبان لا تزال حاضرة شاهدة، قائمة شامخة؛ فعمر بعضها أكثر من مائة عام.
كانوا يقومون من أجل بنائها بتكسير الصخور الكبيرة؛ بأدوات اللغب والعتل والفانوس، والتي كانوا يحملونها على الجمال من الشفيان، ومن مختلف الأودية، وكان للحجارة طريقة في التكسير، وطريقة في الترصيص، وطريقة في التسقيف.
وفي بيوتهم كان يصنع النجار المرزح، والزافر، والسارية، والجوز، والجريد، والشبابيك والمصاريع، وجميعها مأخوذة من الأشجار، والتي يتم دهنها ـ في الغالب ـ بالقطران، وذلك بهدف المحافظة على صلابتها وقوتها.
أما جدرانها من الداخل؛ فكانت تغطى بطبقة سميكة من الطين والعلف، وتُدهن بمادة النورة، كما كانت تزيّن السترة في بعض البيوت بأحجار المرو البيضاء أو الشفافة.

العصبة :
لا أقصد بالعصبة ذلك المصطلح المشهور، والمحدد منذ آلاف السنين؛ والذي يعني الولاء المطلق من الإنسان لمصالح التجمع القبلي أو القروي، بل يقصد به هنا ذلك القانون الاجتماعي المعروف قديماً فيما بين الأجداد، والخاص بالتكاتف، حيث تتفق أسرتان فأكثر؛ على التعاصب والمشاركة في أعمال : الحرث – السقاية – الحصاد – حمل المحاصيل – بناء منزل أو جدار وغيرها.
ففي العصبة؛ يهب أفراد أسرتين فأكثر؛ على المشاركة بما لديهم من أدوات، أو حيوانات : جمل، أو ثور، أو حمارة، ثم يتعاون الرجال والنساء والأطفال على إنجاز الأعمال المطلوبة لدى كل أسرة، والتي يحرصون فيها على : الحضور الكامل، والتواجد المبكر، والإنجاز السريع، والأداء المتقن.
وقد كان ديدن الأهالي الاهتمام بوسائل التعاضد والتكاتف فيما بينهم، فالحاجة تدفعهم إلى طلب المساعدة، والمعيشة تجعلهم يقدمون المساندة؛ للمحتاج إليها، أو للعاجز عن توفيرها، بل كذلك لغير المحتاج، وغير العاجز.
إن العصبة قانون شرعي ثابت؛ آمنوا به ودفعتهم الحياة إليه، وعملوا على العمل به؛ في مختلف أمورهم، وأبسط شؤونهم، فهل يمكننا اليوم العودة إليه ؟! أم إن الناس اليوم استغنوا عن بعضهم البعض !!

يوم الطينة :
كان أهل الريف يهبون أجمعين ـ رجال ونساء ـ إلى تسقيف بيوتهم التي يبنونها، حيث تأتي النسوة بالماء من الآبار، والرجال يخلطون الماء مع التراب الخاص، ليضعوه على سقف البيت، وهم يصنعون ذلك وألسنتهم تردد أهازيج عذبة، وأصوات نديّة، مثل :
ما نستعين إلا بربنا • • • ولاّ فلا حول ولا قوةأو كقولهم :
الله يا مَن يدِّرق عن بني عمه • • • الله لا يجعله منا وفينا

ثمرة النيم :
حرص الأطفال في زمن الريف القديم؛ على المشاركة مع آبائهم في حضور سوق السبت الأسبوعي في بالجرشي، والمساهمة في بيع ما يمكن بيعه، حتى يستفاد من ثمنه؛ في شراء الاحتياجات، وتوفير المتطلبات.
كان الأطفال يحرصون على العناية بأشياء كثيرة، وذلك لبيعها في السوق، مثل : الحمام – الأرانب – الوبارة – الدجاج العربي – البيض – التين الشوكي – وكذلك بيع حبوب النيم.
وهي تلك الثمرة الخضراء الصغيرة الحامضة، التي تتواجد بكثرة في بعض الأودية، وفي مواسم معينة، حيث تجمع من شجرتها بعناية فائقة، نظراً لصغر حجمها، وتواجدها بين أشواكها.
لا أقصد هنا بشجرة النيم؛ شجرة الزينة الموجودة في بعض الشوارع، لكنها هنا تلك الشجرة المتشعبة، التي لها أوراق صغيرة، وشوك غير مضر، والتي تراها على أطراف المزارع، وعلى مشارفها.
فهل نجد من المزارعين؛ من يعتني بزراعتها، ويستفيد من بيع ثمرتها، والتي لا توجد في الأسواق حتى الآن ؟!

لغب يالغب :
كانوا قديماً يقومون بتكسير الصخور لبناء المنازل، وفيها يقوم الملغب بحفر الحجر باستخدام العتلة، والتي هي من الحديد الصلب، حيث يضرب الصخرة برأسها المدبب؛ مع لفها يميناً ويساراً، ويستمر كذلك مع إضافة بعض الماء ليسهل عملية ثقب الصخرة؛ حتى يصل إلى العمق المطلوب فيها.
وهذا يحتاج إلى عمل متواصل، وجهد مستمر لساعات، وبعد الانتهاء من حفر الحجر؛ يقوم الملغب بصب البارود داخل المضرب إلى منتصفه تقريباً، ثم يصب فوقه الحجارة الصغيرة مع كمية أخرى من البارود.
ثم ينادي الملغب بأعلى صوته بكلمة يعرفها الجميع : (لغب يا لغب) حتى يتنبه الناس ويبتعدوا عن مكان الانفجار؛ الذي تتطاير معه الحجارة إلى مسافات بعيدة، وبعد تفتيت الصخور؛ يقومون بتعديلها باستخدام المطارق والفوانيس المخصصة لذلك.
كلمة (لغب يا لغب) لم نعد نسمعها منذ أربعين عاماً تقريباً؛ حيث استغنى الناس بمعدات التكسير الحديثة.

لعبة الليالي المقمرة :
كانت تمارس في الليالي المقمرة؛ لعبة لطيفة ظريفة، تقوم على الخفة والسرعة، والتعاضد والتكاتف، وفيها يعيش مجموعة من الفتيان والأطفال، أجواء من المتعة والمرح، والسعادة والفرح، وعلى ضوء القمر الجميل، ومع نسمات الليل العليل.
وملخص اللعبة تقوم مجموعة منهم بمسك ثياب بعضهم من الخلف بالتتابع (على شكل قطار)، على إنهم الأبناء، والأم تتقدمهم، ويأتي أحدهم يمثل الذئب، حيث يقوم بمحاولة مسك أحد الأبناء، والأم تحاول حمايتهم، وهم في خلف الأم يتحركون سوية، ميمنة وميسرة، هرباً من الذئب، دون أن يتفرقوا، ومن يمسكه الذئب فعليه الخروج من اللعبة.
وكانوا أثناء اللعبة يرددون بصوت واحد :
يا يمّنا حجي بنا • • • دجي بنا في ليلة القماري

حِماية المزارع من الطيور :
كان الأطفال قديماً يساهمون مع أهاليهم في حماية المزارع من هجوم الطيور عليها، فالمزارع كانت محملة بحبوب الذرة والمجدولة والسيّال، وممتلئة بثمار العنب والرمان والمشمش، والتي تحتاج إلى وقاية متواصلة من التلف والضرر الذي يصيبها؛ من تواجد العصافير فيها.
ويعدُّ لذلك بناء يسمى : العُشّة، وهي عبارة عن مظلة كبيرة من الجريد والقش والقصيل، ولها أربعة أعمدة، وسقف مرتفع، يستظل بها الحامي من الشمس أثناء النهار.
ويستخدم للحماية ما يسمى : المِقلاع أو المرجمة، وهي عبارة عن حبلين بطول متر تقريباً، تلتقي في كُمٍّ صغيرٍ توضع فيه الحصاة، ويمسك الرامي بالرأسين الأخريين، وعند الرمي يفلت أحد الحبلين، ويمسك بالآخر لتُرمى الحصاة بالاتجاه الذي يريده, ولهذا صوت عالٍ يكون له أثراً كبيراً في طرد الطير من المزرعة.
أما (القلقيلة) المستخدمة في حماية المزارع من الطيور، فهي عبارة عن حبل يوضع فيه عدة عُلب؛ من التنك الفارغ، وفي داخلها بعض الأحجار الصغيرة، التي يصدر منها إذا حُرِّكَت ضجيجاً وصخباً، يفزع بسببها الطيور، ولا تعود إلا بعد نسيانها فترة من الزمن.
1437/03/01

الورقة الثالثة

الحصون التاريخية :
تعد الحصون التاريخية في القرى الجبلية من المعالم المعمارية الفريدة، والتي تشير إلى ما كان يتمتع به الإنسان من قوة وجلادة وصلابة.وهي مبنية من الحجارة الصلبة، التي قطعت من الجبال، وحملت على ظهور الجمال، وقد صممت بنظام هندسي رائع، يقوم فيها الباني بتهذيب أحجارها بصورة هندسية، ذات مواصفات فريدة، متباينة في الشكل، ما بين مربع، ومستطيل، ومثلث.كما تمتاز هذه الحصون باتساعها من الداخل، وبوجود نوافذ وفتحات صغيرة، ولبعضها درج داخلي؛ يمكن بواسطته الصعود إلى الدور الأعلى.وكان الهدف من إقامتها هو حماية القرى من الأعداء، وحماية المزارع من المهاجمين، خاصة في مواسم الحصاد، فكانت تشكل صمام أمن وأمان لأهلها.ولا تزال هذه الحصون المهملة صامدة قائمة، لم تتأثر بمرور الأيام، وستبقى شاهدة على حقبة زمنية سابقة.

الشتاء في الريف :
يعدّ فصل الشتاء من أبرد فصول السنة في المناطق الجبلية، والذي يتميز بالبرد الشديد، وحدوث الرعد والبرق، والمطر الكثير، والضباب الكثيف، والرياح الشديدة.وفيه تنعدم رؤية الشمس لأسابيع كثيرة، وفيه تسقط الأوراق من الأشجار، وفيه تهدأ المناشط، وتخف الحركة.وكان الرجال والنساء في الزمن السابق يُحزِّمون جنوبهم، ويعصبون رؤوسهم؛ للقيام بكبس سطوح المنازل بالطين لحمايتها من نزول المطر، والعمل كذلك على إصلاح الخروم في المدرجات الزراعية، وجمع الحطب للطبخ والتدفئة، وحصد العشب الأخضر، ورعي الغنم، وتسمين البقر، وتكثير الطيور؛ من دجاج وحمام.وكانت الأسر في هذا الفصل القارس تجلس في بيوتها حول الصلل، فتوقد ناره من حطب العتم، أو القرض، أو العرعر، وفي اجتماعهم كانوا يتناولون المرق، والطبيخة، والقهوة؛ بغرض التدفئة السريعة.

لعبة النصعان :
لعبة النصعان من فنون الرماية القديمة، وهي لعبة ممتعة؛ كان يمارسها الكبار والصغار في أوقات الفراغ، والتي تربي النفوس على القوة، وتدربها على الرماية، والدقة في الإصابة.وهي تقام بين فريقين، يتكونان من ثلاثة ونحوهم، ويتم فيها لكل فريق غرس ستة أحجار طويلة في التراب، وكل واحد بطول 20سم، بحيث يكون أحد رأسيه مدبباً ليغرز في الأرض، وبين كل حجر وآخر مسافة تصل إلى نصف متر، ثم يعمل اللاعبون على إصابتها برمي الحجر، ولكل لاعب حذفة واحدة، إلا إذا أسقط أحدها كانت له حذفة أخرى، ويسجل للفائز نقطة.هذه اللعبة أوجدت التنافس بين اللاعبين؛ في إنماء عضلات اليدين، وفي تطوير القوة البدنية، فهل نجد اليوم من يمارسها في رحلات البر؛ خصوصاً أنها لعبة غير مكلفة، ولا مجهدة.

الكهوف الريفية :
الكهف أو الغار عبارة عن فجوة واسعة، أو شق في الجبل، مكون من حجر ضخم، أو مجموعة أحجار، تشكل تحتها حيزاً مناسباً للاستراحة من عناء العمل، وللوقاية من الشمس والمطر.وقد استخدمه البعض قديماً للسكن، ولإيواء المواشي إلى عهد قريب؛ خصوصاً تلك الموجودة في العِقاب والأصدار.إن الكهوف الريفية من الممكن أن تكون جلسات سياحية؛ جاذبة وملفتة؛ هذا إذا جاءتها أياد التطوير والعناية؛ كما وقع لكهوف في جبل شدا؛ وأضحت مزاراً لوفود سياحية.

أيام الدياس :
كان الدياس يقوم على استخراج محاصيل البر والشعير باستخدام حجر خاص بذلك؛ والذي تسحبه الثيران أو الحمير في الجرين موضع الدياس، فتقوم بجره فوق المحصول بشكل دائري طوال النهار؛ حتى يفصل الحب عن القصب، ليقومون بعد ذلك تجميع العلف.
ثم يقومون برفعه لأعلى باتجاه الريح ورميه إلى الأرض، حيث يذهب التبن بعيداً، وتبقى الحبوب عند أقدامهم، وهذا يعتمد على وجود الرياح الغربية أو الشرقية، فحينما تتوقف الرياح؛ يتوقف العمل.وبعدها تجمع الحبوب للاستفادة منها في الإطعام والبيع، أو تكون بذوراً للزراعة، أما العلف فيكون غذاء للماشية.إن أيام الدياس أيام شاقة متعبة؛ لكنها مليئة بالأهازيج المشجعة والمسلية، كقولهم : جريننا ومافيه، وما ضمّت حواشيه، البركات آهي فيه، تصابحه وتمسيه، ومن الأهازيج كذلك دعاء الخالق سبحانه أن يأتي بالرياح لتساعدهم على تنقية الحبوب من العلف، يالله في هبوب ريح، وحظ ما يطيح، يالله في هبوب ريح، وننتسم ونستريح.

كث العريش :
من الألعاب الشعبية الشائعة قديماً بين الأولاد والبنات؛ لعبة كانت تسمى : كث العريش، لعبة التدفئة من الصقيع والضريب.
وفيها يجلسون على شكل دائرة، ويرفعون فيها أيديهم مع بعض، وبصوت واحد يطلقون عبارة : كث العريش، ثم يفرشون كفوف أيديهم أمامهم، ويبدأ أحدهم بتحريك إصبع السبابة فوق ظهور كفوف زملائه، وهي ينشد : حدارجه بدارجه، من كل حمحم دارجه، وكل عيني سارجه، ياراعي تيه، قلِّص بتيه.واللاعب الذي ينتهي النشيد لديه، يقوم المنشد بالضغط على كف يده، ليقوم برفعها من الأرض، ويحاول تدفئتها داخل جيبه، أو في صدره. وهكذا حتى نهاية اللعبة، وفي النهاية صاحب أدفأ يدين هو الفائز.

صيد العصافير :
كان أطفال القرى قديماً يستمتعون بصيد العصافير في الأودية والشعاب والجبال والجلال، وخصوصاً في فصلي الصيف والخريف، حيث تكثر الطيور القادمة من تهامة، بسبب الجو الحار، وقد استخدموا لذلك وسائل عديدة، منها :
1- المرتمه : وهي عبارة عن صخرة ملساء، قليلة السماكة، توقف بشكل زاوية حادة، وترتفع على ثلاثة عيدان، ويوضع الطعم بين الأعواد، فإذا جاء الطير إلى الطعم، ووقف على أحد الأعواد السفلى، انغلقت الصخرة عليه، أو يوضع في العود حبلاً طويلاً ويجرّه الصياد المتخفّي؛ حال داخل العصفور تحتها.
2- المنسبة : وهي المستخدمة في صيد الفئران أصلاً، حيث يوضع فيها دودة، تستخرج من أغصان الذرة، أو من المدامن، أو من جوار بيت النملة، ثم تدفن، وتبرز الدودة منها، ويقوم الصياد بنحش الطير إليها، حتى يراها لينقضّ عليها، فتنطبق عليه المنسبة.
3- النبّالة : وهي تصنع من لساتك الدراجات خاصة, وتربط بعود أو حديد 8ملم، وعلى شكل حرف (Y)، ثم يرمى بها العصافير.
4- بندقية الهواء (الساكتون).
وللتذكير فقط؛ فصيد العصافير هواية لها منافع عديدة، ينبغي للصياد فيها أن يسمّي على صيده، وأن يذكّيه، بأن يخرج منه الدم، ولو جرح فيجوز أكله، ولو مات قبل الذبح فيحرم أكله.
 1437/04/01

الورقة الرابعة

مشكلة الريف الجبلي:
مع بزوغ فجر كل يوم؛ تبدأ قطعان من قردة السعدان في التجول بأودية القرى الجبلية ، وبين بعض منازلها، وذلك لكي تبحث عن غذاء تقتات منه، عابثة بالمخلفات، وهاجمة على الأشجار المثمرة، والنباتات المورقة.وتعد القرود من أرقى رتب الثدييات، والتي يوجد منها حوالي 200 نوع، وهي تعيش في قطعان وتمضي معظم حياتها على الأرض، وفوق الأشجار، أو على الجروف الصخرية الشديدة الانحدار، وذلك للحماية من الأعداء أثناء الليل.وقد أكدت إحدى الدراسات التي أجراها أحد الباحثين السعوديين؛ أن ملامسة القرود، أو ارتياد أماكنها؛ تنقل بعض الأمراض الخطيرة إلى الإنسان، مثل: البلهارسيا والدودة الشريطية، مما يستوجب تجنب تغذيتها، والقرب منها، وملامستها.ولعل من الفنيات المفيدة لطرد القرود؛ أن قتل واحد منها كفيل بعدم عودتهم إليك، وإن استطعت إمساك إحداها؛ فلوّن جسمه بالبوية البيضاء، ثم اطلق سراحه، وهذا يؤدي إلى هروبه، وهروب من معه.ويمكن بالطراطيع (الألعاب النارية) أن تحدث صوتاً عالياً ؛ فتجعلها تهرب ولا تعود.ولكونها مضرة ومؤذية؛ فإنه يجب علينا التعاون على التخلص منها؛ بالطريقة المناسبة.

*****

الوشق:
يعد الوشق (عناق الأرض) من الحيوانات الليلية المفترسة في الريف الجبلي ، وهو حيوان ليلي في نشاطه، يعيش على أكل القوارض كالجربوع والطيور ، والذي يستطيع التقاط أحدها أثناء طيرانه.وقد قيل إنه من الحيوانات المهددة بالانقراض في بلادنا ، إلا إنه لازال موجود في الأرياف بالليل، وهو من الحيوانات الضارة التي يجب علينا التخلص منها، ذلك لأن هذا الحيوان يتسلق سياج الحظائر في بعض الأحيان؛ ليفتك بالدجاج وغيرها.

*****

التوت البري:
يعد العقش (التوت البري) من أنواع الأشجار الحلزونية، التي تنبت بكثرة في جلال الأودية، وبجوار الآبار، وهي شجرة دائمة الخضرة ، تتدلى فروعها على الأرض، وتنتشر بسرعة .هذه الشجرة فيها شوك صغير، ولها ثمرة حمضية مستديرة أو بيضية، طعمها لذيذ إذ نضجت ، ويسمونها لدى غيرنا: التوت البري، وكانت تستخدم أوراقها لتغذية الغنم والجمال.وهي شجرة آيلة للانقراض ، حيث تحتاج للماء دائماً , فهل نجد من يعتني بها، ويستفيد منها؟!

*****

لعبة الرشاقة والظرافة:
من الألعاب الشعبية التي كانت تمارس قديماً؛ لعبة البربر، وفيها يتم وضع قطعة صغيرة مستديرة من الفخار في الأرض، كما يتم حفر حفرة صغيرة في الملعب، ثم يقوم اللاعب بدفع القطعة إلى الحفرة بقدمه اليمنى، بعد أن يرفع قدمه اليسرى إلى الركبة.كما تمارس هذه اللعبة ؛ بأن يتم تخطيط الأرض التي فيها تراب إلى مستطيلات متساوية، ثلاثة مستطيلات خلف بعض، ثم مستطيلين بجوار بعض (خلف الثلاثة)، ثم مستطيل خلف الاثنين، ثم مستطيلين في الأخير.ويتم اللعب بالقفز في المستطيلات، وتحمل قطعة الحجر بالرجل ، ثم ترمى لتملك أحد المستطيلات، التي يمنع اللاعب الثاني من المرور عليها.

*****

فكوك الريق:
لم يعد أغلب الناس في الريف يستيقظون مبكراً في إجازاتهم، أو يحرصون على (فكوك ) الريق مع جهمة الطير كما كان (عامل) زمان أول.كان العول (الأسرة) يجتمعون في الفجرية على خيرات ربي الواردة من بلادهم، والخارجة بعرقهم (وشقاهم).ففي كل صبحية (تنتفر) كل أسرة من نومها وبعد صلاتها، تتحلق على نعمة ربي (المالية) المحصل، والمفروشة فوق الخصفة.كانت اللقمة الهنية اللذيذة: كسرة خبزة ، لفات قرص ملعقة، صحن تمرة من تمور بيشة، ( شنينة) سمن وعسل ، طاسة بلالة أو معرق (إيدام)، خوط قراص، ثفى، بلسن، طبيخه.يضاف لها قرط عنب ، صحن تين، حبتين حماط، مع حقينة حامضة، وكفكيرة قهوة من البن الخولاني، وطاسة ماء باردة من القربة المقطرنة.وياعسـى الله يسقـي أيـام البسـاطـة ، ويذكر وقتنا الماضي بكل خير.

*****

الإجازة قديماً:
كان الأبناء في الزمن الماضي يبيعون في الأسواق، ويجاودون (يخدمون) في البيوت، ويرعون الغنم، ويسقون المغارس، ويحمون الزرع من العصافير، ويربون بعض الطيور، وينامون أول الليل، ولا يعرفون نوم النهار، ولا يعرفون سوى المذياع.وكانت لديهم قوة والتزام وحيوية، يتحملون التعب والألم، وينفذون العمل بدقة وسرعة، ويأخذون منك ويعطون معك، والقيم لديهم أساسية، والحياة عندهم بالعقل (دون العاطفة).أما الأبناء في الزمن الحاضر؛ فالحال وما ترون ؛ فلا ضيعة ولا بيعة في الإجازة. بل يزداد التبلد والخمول ، وتتضخم الأنانية والبلادة.

*****

رعي الغنم:
رعي الغنم فن ممتع وجميل لا يستغني عنه كل قروي, وفيه يكفكف الراعي غنمه على ما ينفعها، ويردها عن الذي يضرها, ينتبه لقاصيتها ودانيها, ويحدها عن أغنام الآخرين؛ حتى لا تختلط بها، كما إن عليه أن يمنع قويها من نطح ضعيفها , وأن يتفقد أحوالها واحدة عد الثانية , ثم إن عليه التأكد من عددها إذا (ضوت لمراحها)؛ مقر سكنها.وقد ثبت عن رسولنا صلى الله عليه وسلم مبيناً فضل رعي الغنم: (تفاخر أهل الإبل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول الكريم: السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل)، رواه البخاري ومسلم.فهل يعرف جيل اليوم الطلي من الخروف، والرخلة من الجفر، والصمعاء من الهطلاء، والجذع من الثني.
2 ؤفبراير 2016

الورقة الخامسة

المطر في الريف:
المطر هو أساس الحياة والنماء ، والخير والرحمة للعباد، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى بخلقه، وقد ورد ذكره بكثرة في القرآن الكريم؛ منها قول الله تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] .وللمطر رائحة حنونة تداعب الروح ، ولقطراته نعومة تداعب الوجنات، وكل نفس تبتهج لرؤياه ، وتفرح بهطوله، حيث يسقي الزرع ، ويحيي الأرض، وهو الذي له علاماته المعروفة ؛ السحب المتراكمة ، الغيوم المنعقدة، السماء الداكنة، مع شرارة البرق، وجعجعة الرعد.وكان الناس قديماً يطلبونه في كل وقت وفي كل حين، فيرددون مطر وسيل يا الله ، ارحم عبادك يا الله ، ومن الأهازيج القديمة: طق يا مطر طق، بيتنا قديم، ومرزابنا حديد، وكانوا يحرصون على تجميع مياه الأمطار في خزانات للاستفادة منها، كما كانوا يهتمون بمنع تسرب مياه المطر من أسقف بيوتهم الطينية.

*****

النامية المهجورة:
لا تخلو الأودية في الريف الجبلي من وجود شجرة العنب ، والتي كانت لها عناية خاصة من جميع المزارعين ، إذ خصصوا لها مساحات واسعة ، وأعطوها اهتماماً خاصاً في الري، والقطف، والحماية.وهي شجرة متسلقة ،جميلة الأوراق، سريعة النمو ، لها فوائد صحية عديدة ، وتعدّ غير مكلفة في العناية والرعاية ، والتي يمكننا زراعتها أمام مدخل المنزل ، أو بجواره، فهل نجد في عصرنا من سيحرص على زراعتها ، أم لازلنا نتجاهلها ونزرع مالا يفيد وينفع؟!

*****

لعبة الشطرنج القديمة:
من الألعاب الذهنية التي كان يمارسها الأهالي في الريف: (اللقطة أو القطرة) ، وهي لعبة ذهنية تشبه إلى حد ما لعبة الشطرنج، وهي عبارة عن ثلاثة مربعات متداخلة ترسم على التراب، ويلعبها شخصان في الغالب، أحدهما معه تسع حصيات صغيرة، والثاني معه تسع حبات من نوى التمر.وتبدأ اللعبة بأن يتبادل اللاعبان وضع الأحجار داخل المربعات، فإذا تمكن أحدهما من وضع أحجاره أو تحريكها لتكون ثلاثة منها على صف واحد ،فإنه يقضي بذلك على أحد أحجار اللاعب الآخر وهكذا.

*****

قنص الحجــل :
ينتمي طائر الحجل إلى عائلة الدجاجيات، الذي له قدرة كبيرة على التخفي والتمويه بين الصخور والأعشاب؛ يساعده في ذلك لونه الرمادي والبني؛ الذي لا يختلف عن لون البيئة المحيطة، وهو يفضل الجري عن الطيران، لكنه عند الشعور بالخطر يطير بعيداً، ويصدر أصواتاً تحذيرية مميزة.وكانوا قديماً يحرصون على صيده بعمل عشة قرب تجمع للمياه حتى يسهل ذلك، وإذا وجده الصياد بمكان ما، فإنه يترقبه من أمامه، وليس من خلفه، لأن الحجل لا يغير طريقه إلا للضرورة، وإذا وجد الحجل في مكان ما؛ فتأكد أنه سوف يوجد في المكان والزمان نفسه.

*****

العمل التطوعي في القرية:
كان الناس قديماً كالجسد الواحد ، تجمعهم روح الأخوة ، ويضمهم لباس الألفة ، ويربطهم رباط المودة ، يهب الجميع عند نداء المحتاج، باذلين له الجهد والوقت والمال، وهم يقفون معه كفريق واحد، وعلى قلب رجل واحد، ينجزون في يوم واحد؛ ما لا يستطيع الفرد إنجازه في شهر.كانوا يتعاونون على بناء المنازل وتسقيفها، وعند فتح الطرقات أو توسعتها ، وعند ري المزارع، وحصد المحاصيل ،وجني الثمار، حيث كانوا يحصدون محصول فلان من الناس اليوم؛ ثم بعده يحصدون محصول جاره.
ومن الأهازيج التي كانوا يرددونها:
يا الله يامن يدرق عن بني عمه
الله لا يجعله منا ولا فينا.
إننا اليوم بحاجة إلى غرس مبدأ التكافل الاجتماعي في نفوس الأبناء، وأن يكون ذلك واقعاً يومياً في كافة أحوالنا المعيشية، وأمورنا الحياتية، فالعمل التطوعي الذي يقوم به الإنسان ؛ يزيد من قدرته على التفاعل والتواصل مع الآخرين، كما يحد من نزوعه إلى الفردية ، ويخفف من النزعة المادية لديه.

*****

المساء في الريف:
كانت القرية في الزمن الماضي تتسارع على فراش الموتة الأولى، بعد نهار من العمل الشاق، والذي لا يقطع سباتها، أو يطعن سكونها؛ سوى صرار الليل، ونباح الكلاب، وعواء الذئاب.كان الليل فيها سكون وهدوء، سواد وظلام، هيبة وخوف، وكانت مصابيحهم القازة ، والعدنية، والاتريك، وضوء الحطب.لكنه اليوم في حال آخر، ووضع مختلف؛ إذ تراه في الريف يشتعل ضوءاً ونوراً ، ويزداد مع السفرية حراكاً ونشاطاً.

*****

جهاز الراديو:
كان المذياع هو الوسيلة الوحيدة للتواصل مع العالم، ومتابعة الأحوال، وتتبع الأخبار؛ من محطات كثيرة ، وإذاعات عديدة، والذي كان يتوفر في كل بيت، ويحرص عليه كل الناس ، ومعه يقضون ما فاض لديهم من الأوقات.كان يذاع فيه أسماء الناجحين في صفوف المراحل النهائية ، وفيه برنامج نور على الدرب الشهير ، وفيه كانت تنقل المباريات، بل وغيرها من المسلسلات.ثم جاء إرسال التلفزيون قبل وصول الكهرباء، وكان يشتغل بواسطة البطاريات ، وكان له ضبط هوائي معين، على أسطح المنازل، ويتغير تبعاً لظروف الطقس ؛ من عواصف وأمطارٍ.وكان في التلفاز قناتنا الوحيدة، التي لا تتجاوز في إرسالها الحادية عشرة مساء، أما اليوم فقد ظهرت في بيوتنا مئات القنوات ، تبثها أغلب المجتمعات، وتشاهد فيها العشرات من الثقافات، والمئات من المضيعات والمفسدات.
24 فبراير 2016

الورقة السادسة

عد اللهجة وسيلة معبرة عمّا في داخل الإنسان، وأداة قادرة على توصيل أفكاره ، وتوثيق التواصل مع غيره.
وللهجات الريفية في منطقة الباحة لونها الخاص ؛ الذي يميزها عن باقي اللهجات، وهي تختلف في مفرداتها، وفي طريقة نطقها بين القرى نفسها، فلكل قرية ـ تقريباًـ نبرة صوت مميزة، وفي بعض حروف اللهجة اختزال أو إبدال ، ولكن ليس بالاختلاف الملفت والواضح.
وقد قيل عن لهجات أهل الجنوب أنها الأقرب إلى اللغة العربية الفصحى، وأن كثيراً مما يتحدثون به من مفردات؛ لها أصول في اللغة الفصحى، إلا أن أغلبها قد تلاشى من ذاكرة أبناء الجيل الحالي؛ بسبب انتشار التعليم، ووقوع الهجرة للمدن الكبرى، وحدوث الاختلاط بين أطياف المجتمع.

من كلمات اللهجة :
ما نظنها كلمات عامية ، بينما هي فصيحة ، أو مشتقة من الفصيح، مثل:
القحم: كبير السن. القلح: الوسخ. الضَّيْعَة: العمل النافع . الركيب: الأرض الزراعية. الرهوة: الأرض المنبسطة . الريع : المرتفع من الأرض. النثيل: التراب. القبس: النار. المصراع: الباب. الحقينة: اللبن. راقد : نائم. ألمح: أنظر. منقعر : ممدد على الأرض. أبى: رفض. أفلح : اذهب. خَبَّص : خلط. أخبط: أضرب. خشّ: أدخل. مبرطم: غاضب. كِنّ عن المطر: استر نفسك عنه. حَطْه : ضعه. هبشه: مجموعة. المناقَرَة،: المُنَازَعَة. بطحه: ألقاه على وجهه، يتراقف: يرتجف. محندر: النظر بحدة. الحنمه: صوت مكتوم كالأنين، ….

شيوع الأمثال في اللهجة:
تنتشر في اللهجات الجنوبية الدارجة بعض الأقوال الشائعة، والأمثال الشعبية ، والتي تتضمن فكرة فلسفية فعالة ، تكشف حقيقة، أو تلخص تجربة إنسانية ، والتي يحرص فيها المتكلم على استخدامها لكى تسانده، وتجذب انتباه مستمعه، مثل قولهم:
ايش الديك وايش مرقته، البس يحب الخانقه، سرّه راس ركبته، حقة الفرّاع مطريه. إذا صخيت العود فاصخ الخطام. يشوف مخ الساق من وراء الطمرة …..

ومن لغة السجع والإتباع:
أمّا حرك ولا برك . أما كلّه وإلا خلّه. سردادي مردادي . طيخ بيخ. الشّغله فيها خازا بازا. فيه الخلاخل والبلا من داخل. لا حادي ولا رادي. يا حادرين يا صادرين. يحوس ويدوس. يسرق ويدِّرق. سردد مردد. لا يهش ولا ينش ……

ومن عباراتها الظريفة :
جاء يدلدل أيديه . بطنك يسع مد عصيده . اختلط حب المساقي بحب العثّري. إذا بغيت تغلّه؛ افلح وخله. إذا شريت الثور فقل له يابه. اقعد ما بتطير الدنيا. بد المح في تواصيف الدخ. يعرف الكفت. ياما تحت السواهي دواهي. دخِّل لسانك لاجي أعضه. كما حجر ألجلّه. لا تقل للجمل هش وعينه أكبر من عينك. سمطت عظامي وآنا في حراك. قال يا نمله لا تطلعين فوق صدر عبدالغني … إلا اطلعي بيدك وارجولك. لا ينقاد ولا ينساق. لو فيه خير ما تركه الطير. ماشي بلاش إلا حمى الفراش…..

ومن كلماتها العاطفية :
عليّه عنك ـ الله يدفع بي عنك: ( تقال للطفل المريض). الله يهَبْ لك معونةٍ: (تقال لمن يقوم بعمل ما). أسعده : (تقال عند تقديم الشخص لغيره القهوة والشاهي ونحوهما)، ومعناها: فلتسعد بذلك. أنا فداك: (تقال للترجي).أنا فدى بطون أرجولك: ( تقال عند طلب حاجة أو للشكر). الله ثم النبي يحييك : ( تقال للضيف وللقادم من السفر). كثر الله خيرك : ( تقال لصاحب الضيافة). والنَّعم. بيض الله وجهك. كفو والله: (تقال للمدح). من عيني هاذي قبل هاذي: (تقال للموافقة على تلبية الطلب).وما أزيد سمنكم إلا عسل……

ومن كلماتها في وصف الأعراض المرضية:
أتراقف. أتنافض . الأكل طهجم بكبدي. انخفعت رجلي. انقصم ظهري. انقطم اصبعي. برأسي دارج يدرج بى. تنوض سنوني. جسمي حامي. سومه بكبدي. صقع راسي. عندي حومه. عندي عماش بعيوني. قِصدي توجعني. ما اشتي جغمه. ماشي هيله. ماطيق آكل حثرة.
مسدوح بشرِّي. معي كما السفاه بحلقي. معي لويه في مصاريني. ناض عليّه ظهري. ناقر بصفحي. يصلب ضرسي. كن من يشقرني بالعطيف……( لا بأس على الجميع، وأجر وعافية لجميع المرضى).

ومن كلماتها المكونة من حرفين:
بَسْ: قف. حش: احصد . خِر: ابتعد. خش: ادخل. دخ: غير مقبول. رح: اذهب. شب: أوقد. طر: اشرد. طل: البلل بالماء. عس: عيادة المريض. غش: إذا غلي الشاي. قَر: اثبت. كخ: اتركه. ور: أشعل. وش: أوقد. يع: سيء….

ومن أصواتها عند في الحديث مع الحـيوان:
وهي تقال جميعها بترديد وتكرار ، وبصوت مرتفع، ونغمة ملفتة، مثل:
أردهُو: للجمل حال شربه الماء. عدْ عدْ: عند قيادة الجمل. هاك هاك: عند تهدئة الجمل. أشّب أشّب: عند شرب الجمل. يخ يخ: عند تنويخ الجمل. …
أش أش: عند نهر الحمار. هكشيش هكشيش: عندما ندعو الحمار. توتو توتو: عند سقي الحمار. شي شي : عند تهدئة الحمار….
دك دك: عند طرد الدجاج. طوطو طوطو… قرطش قرطش: عند مناداة الدجاج . طيطس طيطس: عندما ندعو الدجاج….
هس هس : عند قيادة الثور. عوْ عوْ: عندما ندعو الغنم والبقر للشرب. هك هك: عندما ندعو للثور بالرجوع. زل زل : للثيران عند الحرث. هوُم هوُم: تقال للثور عند إحضار الماء. عَلْ: ارجع……
هى هى هى، بيهي بيهي: عند سقي الغنم. إتش إتش : عند قيادة الغنم. سك سك : للماعز. أع أع: تقال للماعز…….

العرضة الجنوبية:
وهي تعني باستعراض القوة والسيوف والرجال، وفق تشكيل منظم ومرتب، يتم فيها ترديد أبيات من الشعر الحماسي، الدقيق في تصوير المعنى، والذي يعتمد على الشقر (الجناس)، وهو تشابه كلمتين في اللفظ، واختلافهما في المعنى ، مع تناسق إيقاعات الزير، وتناغم صوته الجاذب للمستمع.
فمن الأمثلة على قوة الشقر، قول الشاعر: يا مسرعك يا لساني كنت حالي ومرّيت… والناس ما يقبلون الشايب احنى ظهيرة، ويرد عليه زميله: لو كان ما جيت من قدام عيني ومرّيت… يكون ظلّم علينا الدرب واحنا ظهيرة.
ولدى شاعر آخر: آنا ودي يضيق السد حتى يفيض (الماء منه)، وفي الرد يقول زميله: انطفت شعلة المصباح وامسيت في (ظلما منه).

لقطة تربوية باللهجة الدارجة:
صاحت الأم في ولدها: فين كنت تهسهس (تتجول) في الليل يا قليل المزا (الحياء)؛ طول وقتك في المسارب (الطرقات) غايب عنا، لا متعة تاكلها معنا، ولا ضيعة (شغلة) تنفعنا فيها.
ما تسمعلنا كلمة يا الرخمة، قهرنا نعلم فيك، ونقرا عليك، ضريت (تعودت) بالدلع، متى ربي ياهبلك (يعطيك) عقل، وتترك السمرة (السهر) واللعب اللي ما فيه خير.
فار دمها، وحندرت فيه (أطالت النظر)، ثم هكّبت عليه (هجمت)، قرصت إذنه لِنّه فاهق ، واجتبدت حلقه (سحبته بعنف)، ومسكت كربته، قام عندها يضبح بكاه، ويصيح: (والله ما ازيد اتاخر، والله مابازيد أعلّها) ، فكته وهيّه تتحلف فيه، وتزمجر عليه، وهوّه يتراقف من الذل والخرعه، شال نفسه ضيق وشرد بجسمه يدابج فوق الملّه (يضرب برجليه)، وانخمد مبرطم على مسدحه (استلقى على الفراش زعلان).

وبعد:
احتوت الوريقات السابقة، والورقة الحالية؛ على خلجات ريفية مختصرة، وخواطر قروية سريعة؛ فلعلها تكون دافعة للباحثين ، وفاتحة خير للدارسين.
راجياً كذلك أن تكون محفزة للقارئ؛ لينشر سوانحه الجميلة، وذكرياته اللطيفة، وتجاربه المفيدة، سائلاً الله تعالى للجميع التوفيق والعون والتسديد.
24 مارس 2016

عن تواصل غامد_ وعن موقع منهل الثقافة التربوية

كاتب المعاريض ابو ناصر الغامدي

خبرة 22 عاما في التحرير و الصياغة الشرعية و النظامية لجميع الدعاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى